الصحافة الحرة والمستقلة ، هي واجهة المجتمعات الديمقراطية وعنوانها ، يقاس من خلالها مدي تطور المجتمعات ، ومدي احترامها لحرية الفكر ، وحرية الرأي والتعبير ، وكذلك مدى احترام مجتمع ما لحرية الإنسان وحقوقه المنصوص عليها في مواثيق حقوق الإنسان ، ومواثيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المهتمة بالأوضاع الإنسانية علي الصعيد العالمي ، وكذلك المنصوص عليها في كل الدساتير والشرائع .
وتلعب الصحافة دور رأس الحربة في الحرب ضد التسلط والاستبداد ، ومن أهم أدوارها فضح الفساد والتعذيب ، فضح تحالف الدول مع رأس المال – محليا وعالميا - والشركات والمؤسسات المالية الكبرى ضد مصالح الشعوب والفقراء في كل مكان . والمهمة الأكبر للصحافة مطاردة الحدث في كل مكان ، ونشر الوقائع الصحيحة ، ومحاربة تزييف الوقائع والأحداث ووعي المواطن ، ووضع الصورة والخبر والحدث الصحيح أمام المواطنين في كل المجتمعات . وكم من القضايا الكبرى فجرتها الصحافة ، قضايا أدت إلي استقالة رؤساء ، وإسقاط حكومات ، قضايا كشفت عن تواطأت كبيرة بين مافيا السلاح والدواء ، ودور هذه المافيا في تأجيج الحروب والفتن الداخلية ، وغيرها من الفضائح التي نجحت الصحافة في لفت انتباه الرأي العام لها في كل مكان ، وساهمت في اختفاء مرتكبي هذه الفضائح من علي سطح الأحداث .
ولذلك تبقي الحرب طوال الوقت مشتعلة بين نظم الحكم من جانب ، والصحافة من جانب أخر ، وتختلف درجة حدة هذه الحرب من مجتمع لأخر ، فهي تدار بأشكال أقل حدة في المجتمعات الديمقراطية ، ولكنها تزداد شراسة في المجتمعات المتخلفة والأقل تقدما ، مثل المنطقة العربية ، التي مازالت ترزح تحت حكم العسكر وأبناءهم لما يزيد عن نصف قرن .
وحكم العسكر حكم استبدادي أكثر ما يكرهه هو الحريات ، وعلي رأسها حرية الصحافة ، يحاربها باستماتة ، ويقبع الرقيب في الجنبات المظلمة لردهات الجرائد ، مسلحا بمقصه الجاهز لاستئصال ما يراه – أو بالأحرى ما يراه النظام الحاكم الذي يتبعه – غير معبر عن توجه النظام أو التحالف الحاكم ، وفي المنطقة العربية المنكوبة تستطيع أن تلحظ بسهولة الحصار الذي تتعرض له الصحافة الغير موالية لنظام الحكم ، ففي مصر الدولة الأكبر ، ورائدة الصحافة في المنطقة ، وبالرغم من الوعود المتكررة من الرئيس المصري بعدم حبس الصحفيين ، إلا أن سيف الحبس ، والإعتداءات البدنية مازال مسلطا علي رقاب الصحفيين ، وكذلك سوريا وتونس اللتان يقبع في سجونهما العديد من الصحفيين .
لذلك ليس من المستغرب ما قام به نظام الحكم العسكري السوداني ، هذا النظام المستبد الذي يرزح تحت وطأة جبل من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وأزمات الجنوب التي لا تنتهي ، والمأساة الإنسانية في دارفور والتي يلعب فيها النظام السوداني أحد أدوار البطولة ، وإقحام نفسه في الحرب الدائرة في تشاد بين النظام التشادي ومعارضيه ، وغيرها من المشكلات . هذا النظام المضطرب - الذي تحالف فترة مع القوميين الإسلاميين ثم انقلب عليهم ، ودخل في العديد من اتفاقيات السلام الهادفة لوضع حد لحروبه ولم يلتزم بها ، ويحمل المواطن السوداني الثمن لنزواته الجنونية حيث تدهورت أوضاعه المعيشية بشكل صارخ ، بالرغم من الإمكانات الاقتصادية والموارد الطبيعية التي تتمتع بها السودان ، والتي كان من الممكن استغلالها بشكل يسمح بحياة أفضل للمواطن السوداني – في حرب دائمة مع الصحافة ، يحاصرها ويمنعها من أداء رسالتها ، حيث قام جهاز الأمن السوداني مدفوعا بتعليمات من النظام الحاكم كما ذكرت مدونة " الأخر : وعيي و وعيك " بمصادرة عدداً من الصحف السياسية دون سبب سوى أن جهاز الأمن طلب من الصحف إرسال نسخة من الصحيفة قبل طبعها حتى يتمكن من الموافقة على إصدارها ، وهو الشئ الذي استحال على معظم الصحف السياسية فعله ، فما كان من جهاز الأمن إلا أن صادر جميع الصحف التي خالفت ذلك الأمر ، ومنها صحيفة السوداني عدد 16 إبريل الجاري ، وعدد أخر من الصحف السودانية لذات السبب .
إن معركة حرية الصحافة تشهد الكثير من العراقيل في السودان مثلها مثل كثير من دول المنطقة المحكومة بالعسكر باستبداديتهم وعداءهم التاريخي للحريات ، وخاصة حرية الصحافة . وستظل النظم الديكتاتورية والاستبدادية ، وحرية الصحافة نقيضان لا يجتمعان . وإذا اجتمعا في لحظات نادرة يكون الثمن الذي يدفعه الصحفيون الباحثون عن الحقيقة باهظا .
