مثل كل دول العالم الثالث ، ودول الشرق الأوسط ، دخلت سوريا الدائرة الجهنمية ، فسوريا تسعي – مثلها مثل دول المنطقة – إلي تحسين الوضع الاقتصادي ، ولكنها مجبرة أيضا – مثل كل دول المنطقة علي فعل ذلك من خلال " سوق رأسمالي عالمي " شديد الشراسة يسعي أبرز أقطابه والمتنفذون فيه إلي الربح في أي مكان ،وبأي ثمن ، حتى لو كان هذا الثمن حيوات الملايين من أبناء الشعوب الفقيرة . وهذا السوق الرأسمالي يرتكز في إدارة علاقته بمجموعة الدول المتخلفة – سواء في أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية – علي مجموعة من المؤسسات الدولية " البنك الدولي للإنشاء والتعمير – صندوق النقد الدولي – منظمة التجارة العالمية وغيرها من المنظمات " ، وتقوم هذه المنظمات بوضع روشتة مكونة من مجموعة من الإجراءات الاقتصادية ، هدفها المعلن هو علاج الإختلالات التي تعاني منها الدول المتخلفة في موازين مدفوعاتها ، وخفض عجز الموازنات العامة لهذه الدول ، وتصحيح وعلاج مشكلات أسعار الصرف ، ولكن هدفها المضمر هو مزيد من دمج هذه الاقتصاديات تلك الاقتصاديات في دورة نمط الإنتاج والتوزيع والتجارة الرأسمالي ، ومن موقع أكثر ضعفا – متلقي لاستثمارات الغرب وفاتحة أسواقها ومانحة عمالتها الرخيصة التكلفة لتلك الاستثمارات – بشكل يصعب معه الفكاك من أسر هذا النظام ، أو حتى التملص من متطلباته القاسية .
الروشتة التي يضعها صندوق النقد والبنك الدوليين والتي يطلق عليها الباحثون والمهتمون بأوضاع الدول المتخلفة روشتة الليبرالية الجديدة تشتمل علي عدد من الإجراءات الاقتصادية الثابتة والتي تشتمل علي : تحرير التجارة ، تحرير أسعار الصرف ، تخفيض عجز الموازنة العامة ، ورفع الدعم عن الطاقة وعن السلع الغذائية وعن الصحة والتعليم ، والأهم هو رفع يد الدولة من النشاط الاقتصادي برمته وإعطاء الفرصة للقطاع الخاص لقيادة عملية التنمية . وتطبق هذه الإجراءات علي كل الدول التي تدفعها أوضاعها الاقتصادية المتدهورة لطلب معونة الصندوق والبنك الدوليين ، ويتم في ذلك تجاهل خصوصية الوضع في كل دولة ، والاختلافات في تركيبة البني الاقتصادية ونمط وطبيعة علاقات الإنتاج بين كل دولة وأخري . والمتتبع لعلاقة هذه المنظمات بالدول المتخلفة يلاحظ فشل هذه الروشتة في حل ما كانت تعانيه هذه الدول من مشكلات ، بل علي العكس فقد لعبت دورا بارزا في تفاقم هذه المشكلات بشكل مروع أدي إلي عديد من التفجرات الاجتماعية في هذه الدول مثلما حدث في الأرجنتين والمكسيك ، وفي الجزائر والأردن من هبات شعبية سميت أحيانا " ثورات الخبز " و " ثورات الجوع " ، ومثلما يحدث في مصر الآن من حروب ومشاجرات للحصول علي الخبز مستلزمات المعيشة في ظل غلاء لا يحتمل جعل حياة المواطن المصري مأساوية ويتضح ذلك من الرسالة المنشورة بمدونة " سلامندر " تحت عنوان " والله بيحصل بجد " الموجهة من مواطن مصري لرئيس الجمهورية يشرح له أوضاع معيشة ونمط غذاء الفقراء والمعدمين من المصريين .
وكما ذكرت سابقا فقد دخلت سوريا نفس الدائرة الجهنمية حيث ذكرت مدونة sursock أن العديد من المواطنين السوريين يعانون الآن بشدة من الزيادة الحادة في أسعار السلع الغذائية مثل الخبز وذلك سيكون له تأثيرات سلبية عميقة علي الاقتصاد السوري الذي يعاني أساسا من حالة متردية . وقد ذكرت وزارة الاقتصاد السوري في تصريح لها أن 15 مليون مواطن سوري – أي ما يقرب 3/4 سكان سوريا تأثروا بشدة بارتفاع أسعار الخبز والمواد الغذائية الأساسية ، فقد وصلت أسعار الكيلو جرام من الخبز – حسب نفس المدونة – إلي 40 ليرة للكيلو جرام ، مقارنة ب25 ليرة في نهاية العام الماضي .ويري معظم السوريون أن هذا الغلاء التجلي الواضح والأكثر خطورة للارتفاع المستمر والملحوظ في معدلات التضخم . أحد المواطنين السوريين علق قائلا : ليس أمامنا سوي حلين إما أن نصوم أو ننتظر أيام الجوع القادم ، فقد أصبحت أجورنا لا تستطيع مواجهة المتطلبات الأساسية للحياة ، وأستدرك المواطن قائلا : ويسألوننا لماذا نقبل الرشوة .
وبالإضافة إلي ذلك قررت الحكومة السورية تخفيض الكمية المدعومة من زيت التدفئة التي تتحصل عليها كل أسرة بأسعار مدعمة وذلك كما ذكرت نفس المدونة لمواجهة الزيادة في الواردات من البترول والزيوت ، وكذلك لمواجهة تهريب الكيروسين المدعوم من الدولة ليصل لغير مستحقيه الذين يستفيدون من أسعار الكيروسين المدعمة الرخيصة . وتعد هذه هي الخطوة الأولي من الخطة الخمسية التي أعدتها وزارة الاقتصاد والتجارة السورية تمهيدا لإلغاء الدعم عن كل المنتجات البترولية في نهاية الخمس سنوات عمر الخطة . وقد بدأت الخطوات الفعلية لهذه الخطة بقيام الحكومة بتوزيع إيصالات أو كوبونات علي المواطنين السوريين ، ويسمح كل كوبون بمقدار 1000 لتر من الكيروسين المدعوم لكل أسرة سورية طوال العام . وصرح وزير الاقتصاد السوري بأن 77% من الأسر السورية تستهلك أقل من هذه الكمية سنويا . والجدير بالذكر أن لتر الكيروسين يبلغ الآن 7.20 ليرة . وقررت الحكومة أن هذه الكوبونات ستوزع علي أرباب الأسر من الرجال ، وعلي الأرامل من السيدات التي تعيل أسر ، وعلي الأبناء الأكبر للأسر اليتيمة التي بلا عائل ، وهو الأمر الذي فجر عاصفة من الغضب والانتقادات من المنظمات النسائية التي تعجبت وأدانت تجاهل الأرامل اللواتي لا يعيلن أطفال ، وكذلك المطلقات بلا أطفال ، وغير المتزوجات . وأنتقد ذلك الوضع أيضا طلبة وطالبات الجامعة الذين يعيشون بمفردهم أو خارج مدنهم للدراسة . علي جانب أخر أكد بعض المواطنين السوريين أنهم يعيشون في مناطق خارج العاصمة السورية شديدة البرودة ولن تكفيهم الكمية المقررة من الكيروسين المدعوم ، ولن تساعدهم دخولهم علي شراء الكميات التي يحتاجون إليها من الكيروسين بأسعار غير مدعومة .
يبدو أن سوريا في طريقها لتشهد بعض التوترات والتفجر الإجتماعي اللذان عانت منهما كل الدول التي التزمت بتطبيق روشتة الليبرالية الجديدة ، وليس بعيدا عن سوريا ما يحدث في مصر والأردن واليمن من هبات وتفجرات من وقت لأخر لنفس الأسباب التي تعاني منها سوريا الآن ، ولنا الحق في أن نتساءل كيف سيتعامل النظام السوري الشديد القمعية مع ما هو متوقع أن يحدث تحت وطأة الغلاء وقلة الدخول ؟ و أعتقد شخصيا أن النظام السوري سيلجأ – مثل شقيقه في القمع النظام المصري – إلي جحافل الأمن ، وأجهزة أمن الدولة والمخابرات ، وسجونه ومعتقلاته لقمع أي ردة فعل جماهيرية للأوضاع المعيشية ، وهذا ما سيعقد الوضع أكثر ويدخل بسوريا إلي نفق مجهول النهاية .
