الصفة العامة التي تغلب على المجتمعات المحافظة هي صفة التدين فالحياة بكل ما بها مستورة بلباس الدين..، ومما لا شك فيه أن مجتمعاتنا في الجزيرة العربية بكل مناطقها مجتمعات محافظة ومتدينة،<!--break-->
والناظر لهذه المجتمعات يحكم بصلاحها عامة، ولكنّ الواقع يفسد هذه النظرة، وعند الدخول لهذه المجتمعات، والنظر لها عن قرب نجد الكثير من مظاهر الانحلال والفساد، وحين نتعمق في النظرة نجدها صورة ممسوخة، فهي كالثمرة النظرة التي ينخر الدود بداخلها، ولا بد لنا من معرفة وجود الأسباب التي تؤدي للفساد في المجتمع كما أننا يجب أن نعرف سبب الفساد الذي أصاب الثمرة من الداخل، وكما هو معروف بأن زيادة الماء لبعض الأشجار يؤدي إلى تكون الديدان داخل الثمار، وهكذا هي المجتمعات، والأمثال تُأخذ بالقياس، وليس بالمثل. إن مجتمعاتنا المحافظة تأخذ جرعات زائدة من المحافظة الخارجة في كثير من الأحيان عن نطاق الدين، ويتعامل معها على أنها تشريع ديني، ويتمسك المجتمع بها تمسكاً جمعياً، فلا يسمح لشخص أو لعدة أشخاص الخروج عنها، ومن يخرج عنها علناً يعاقبه المجتمع تشويهاً، أو نفياً فكريا وجسديا، وبطبيعة الحال العالم متغير ومتنوع، ومجتمعاتنا المحافظة رغم محافظتها إلا أنها فتحت على نفسها أبواب العالم، واستقبلت كل الأفكار، والعادات، والتقاليد في عقر دارها، وبقيت تدعي لنفسها المحافظة في ظل عالم متغير متجدد لا يعرف الجمود أبداً، وبطبيعة المعادلة الكونية كلما ذهب جيل جاء جيل أخر، وليس من المعقول أن يتناسخ جميع الأجيال، و أن تظل هذه الأفكار حبس أدمغة الجميع، فلكل جيل قضاياه ومشاكله ولكل جيل عالمه ومستقبله، وبالنسبة لأجيال الجزيرة العربية "المحافظة" تكمن المشكلة في الجيل الجديد الذي تتسرب له قيما جديدة عبر العولمة، وتحت غطاء آبائها وأجدادها، وتدعي هذه المجتمعات المحافظة على تراثها القديم الذي عاش عليه آبائها وأجدادها عبر سلوك تقليدي يُظهر للناظر ما أسموه تجاوزا بالعرف الديني، وإن أستطاع الدين مسايرة الركب الحضاري كما يدعي أصحاب نهج التجديد فالتراث الذي تحمله مجتمعاتنا والمنسوب للدين لا يستطيع التماشي مع هذا التطور، والتجدد العالمي السريع فترك في هذه المجتمعات المحافظة إرباكا شديدا على المستوى الوجودي، والنتيجة هي حالة من الانفصام المرضي تعيشها مجتمعاتنا.إن مجتمعاتنا الظاهرة للعيان بصورة كاذبة.. صورة المجتمعات المحافظة المتدينة تحمل بين طياتها السريّة المفاسد في عمقها...، وكم من شاب أستغل فتاة من أجل مصالحه الآنية ثم تركها دون أن يسأل عن دين، أو مجتمع، ونرى كيف يغفر المجتمع ويحمي كل خطيئة صدرت عن الشاب، أما الفتاة فهي تبقى صامتة مغلوب على أمرها، وتأكلها الألسن والأعين، وتحقد عليها القلوب، ويكثر عليها (القيل والقال وكثرة السؤال)، وتنتهي حياتها عند هذه المأساة ومجتمعنا المحافظ يغص بهكذا نماذج من الشباب، ويغض العين والألسن عنهم، فهم في أغلب الأحيان يبدون شباب صالح في مجتمع محافظ متدين ربما يكون قد غلط ولكن باب التوبة له مفتوح، وقد يكون حقيقة أو كما يبدوا للعيان متدينا، فتراه في أول الصفوف في المساجد، ولكنها لا تعدوا كونها ممارسة موروثة مثل كل شيء في مجتمعنا...، وأما أولئك الناصحون الحكماء العاقلون الذين لم يعرف عنهم سوى الصلاح والهداية، فهم في دأب دائم لسد ثغرات الفساد في المجتمع وهم حريصون على صورة المجتمع الناصعة فلا يعملوا إلا من خلف الستار، ولا يتكئون إلا على فهمهم للدين، فهو المشرع الأساسي لكل ممارساتهم الدينية، والدنيوية على السواء، وهو الرداء والعمامة التي يخفوا ورائها سوءاتهم التي بدأت تنكشف للأنظار والعقول، وكم من عمامة وضعة على رأس قواد يخفي الخبث تحت ردائه، وكم من سيدة أرملة، أو مطلقة وقعة في شباك هؤلاء دون ان تعرف فيما وقعتن وأبعد الظنّ في اعتقادها أن يكون هذا المعمم القديس ذئباً يحرض الشهوة في بدنها عبر مختلف الوسائل المعنوية والمادية، وتتساءل الحسناء التي تصون "حسب اعتقادها عفتها" كيف يكون ذئباً و لديه التشريع السماوي من الله؟! لا أحد يصدق كما هو الحال مع أي سيدة خدعة أن المعمم القديس ذو العمامة ما هو إلا قوّاد في مؤسسة تنادي بالدعارة المشروعة، ولا أعني هنا التشريع وإنما أقصد ذات الممارسة بالطريقة المعمول بها من قبل بعض المشرعين أصحاب العمائم الفاسدة، والقضية ليست بالجديدة ولم تعد بالسرية فقد كشفت العورات في كثير من المجتمعات، وقد كنت قبل عدة أيام أقرأ عن شبكة للدعارة في الضاحية الجنوبية في لبنان، وهي فرع من عدة شبكات منتشرة في أرجاء لبنان، ولكنها تتستر في الجنوب بسبب الطبيعة الدينية المحافظة للجنوب بلباس الدين، وذات اللعبة تلعب هنا. وفي الجنوب المحافظ كما في بعض مجتمعاتنا المتدينة تتستر الدعارة بمسمى المتعة، وفي أماكن أخرى تتستر باسم الزواج العرفي، أو زواج المسيار، وقد كان أصحاب المتعة أوفر حضاً من غيرهم فقد استغلوا التشريع الأساسي، وحرفوه حسب أهوائهم المريضة، وقد كشفت قبل عدة أشهر أوراق التوت عن ألولائك العصبة، وعُرِّفَتْ بفضيحة مافيات رجال الدين، وهي شبكة من العمائم الخائنة، وبعض المتأمرين والمتواطئين معهم، والغريب في الأمر أن هذه الشبكات الفاسدة تمتلك التأييد الرسمي، والحضور الشعبي، وقد كان الخبر كالصاعقة على الجميع، ولكنه في واقع الأمر نتيجة طبيعة للمتناقضات التي يعيشها المجتمع، فهو في حالة انفصام، أو حالة نفاق دائم ومتسع بشكل رهيب لدى شريحة المتدينين، وقد خصصت هذه الشريحة بالذات لكثرة النماذج الشخصية والعامة التي تحملها تجربتي معهم، ولأنهم الغالبية العظمى في المجتمع، وبالتأكيد لا أنكر اليد الطولة لهذه الشريحة في البناء والإصلاح كما لا أغظّ البصر عن الأيدي الأخرى الأكثر طولاً في الفساد، والتي تتستر بلباس المصلحين، وسأذكر بعض النماذج المتفاوتة لحالات من الاعتداءات على الأطفال داخل العائلة، أو ما يعرف بزنا المحارم، وأجزم بأن مثل هذه الحوادث الكثير في المجتمع، وقد تحدثت بشكل مباشر مع بعض هذه النماذج وسأنقل الحديث في تحقيق خاص. النموذج الأول: اعتداء من قبل عم لأبنت أخيه ذات التسع أعوام وهو في تلك اللحظة - حسب ذاكرة البنت الصغيرة - بين 22 و24 سنة، وقد كان يدرس في الجامعة...؛ أما الآن فهو أستاذ محترم ومتزوج ولديه أبنتين ويمتلك قدرا كبيرا من التقدير والاحترام في وسطه العائلي والاجتماعي، أما هي فقد عانت من الاعتداء ومازالت، وهي خائفة من الزواج وناقمة على عائلتها التي تقول بأنها سرقت شرفها... النموذج الثاني: اعتداءات متكررة من قبل خال متشدد في مسألة الستر والشرف ولكنه يعتدي بشكل مستمر على أبنت أخته ذات السبع أعوام وقد أستمر ذلك لمدة سنتين، وتوقف عن الاعتداء عليها بعد أن قام بخطبة فتاة...، أما ابنة أخته فهي الآن تعاني من حالة انحراف، وهي متورطة في شيء لم تصرح به، ولكنها صرحت بأن ما فعله خالها هو ما دفعها لذلك، والغريب في الأمر هو ضربها من قِبَلِ خالها وذلك عندما عرف بفعلها الذي لم تفصح عنه، وأخذ بإشاعة الحديث عنها في أوساط العائلة، ويدّعي بأنه يحافظ على شرفها وشرف العائلة... النموذج الثالث: اعتداء من زوج عمة لابنة أخ زوجته، وهو رجل صائم قائم معروف بالصلاح والتقوى كما وصفته وقد حاول الاعتداء عليها في السيارة، وهي في الخامسة عشر من عمرها، ولم ينجح وأعاد الكرة مرة أخرى فأقتحم منزل ولدها الذي لم يكن فيه غيرها ولكنه أيضاً لم ينجح بسبب الوضع النفسي الذي كانت فيه فقد كانت كما تروي غير قادرة على الكلام والتنفس فخاف بأن تصاب بشيء وتركها وهرب وقد ضلت تردد أسمه وهي مريضة "حالة هستيريا"، وحين سأله أهلها عن تكرار اسمه أخبرهم بأنه لا يعرف شيء وقد صدقوه دون تردد وقد رفضت الإجابة على الأسئلة التي وجهت لها واكتفت بسرد الحادثة. هذه ثلاث حوادث من عمق مجتمعنا المحافظ نقلتها مباشرة من أصحابها ولم اعتمد على الكثير من الحوادث الأخرى التي سمعت عنها شفهياً من قبل الناس وقرأت عن بعضها على مواقع الإنترنت وكل هذه الحوادث ومثلها الكثير من الجرائم والشذوذ مستورة في المجتمع فهي من اللامفكر فيه اجتماعياً، بل قد يُحظر الحديث في الأمر رغم خطورته الاجتماعية على الطرف المعتدى عليه؛ أما الطرف المعتدي فهو خطر اجتماعي مجهول، وهو ضمن مجتمع محافظ يتستر بالدين ونتيجة لكل ذلك فالمجتمع مقبل على إفلاتٍ اجتماعي رهيب، ومما لا شك فيه أنه قد بدأ في هذا الإفلات، ومازال يتسع فيه من تحت الستار، وما زلنا ندّعي التدين والمحافظة ونفتخر بالمجتمع الإسلامي. إن وضع مشاكلنا الاجتماعية داخل اللا مفكر فيه وتناسيها والتستر عليها والخجل من الحديث عنها لهو مشاركة في الفساد وتشجيع عليه، فمتى سنتمكن من الاعتراف بمشاكلنا والتعامل معها بجدية واحتواءها من جميع الجوانب حينها فقط سنتمكن من رؤية الصورة الحقيقية للمجتمع.
