الخبير البارز في شئون الاسلام السياسي في حوار خاص :
الحركة حقيقة موضوعية ومجتمعية وليست مجرد "ميلشيا"
الدولة المصرية لا تتعامل مع "حماس" بوصفها " إخوان " و لم تكن تستقبل "آية الله مشعل " أو "الملا هنية "
لنسأل : "متى و ماذا كانت تحكم قبل محاكمتها ؟"
كارم يحيى
تشهد القاهرة تغييرا لافتا في التناول الإعلامي لحركة " حماس" الفلسطينية .وعلى الصعيد الرسمي اقدمت مصر التي طالما فتحت أبوابها للاتصالات وللحوار مع الحركة على اعتراف سريع بحكومة الطورائ برئاسة " سلام فياض " ونقلت مقر بعثتها الدبلوماسية من غزة الى رام الله . وعن ملابسات اللحظة الراهنة بين القاهرة و غزة وآفاقهاالمستقبلية ، حاورت " الوقت " "ضياء رشوان " الخبير البارز بمركز الدراسات السياسية والاستراتيحية بجريدة " الأهرام " والمتخصص في الإسلام السياسي ورئيس تحرير أول دليل عربي سنوي عن "الحركات الاسلامية في العالم" صدر عن المركز ذاته .<!--break-->
* الى اي حد يؤثر ما حدث لحركة "حماس" على جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر ؟
ـ بداية هناك حقائق عدة قبل الحديث عن التأثيرات . فحركة "حماس" فرع من الإخوان لكن الأهم ان علاقاتها مع النظام المصري السياسي والأمني اكبر بكثير منها مع جماعة" الإخوان" . واللقاءات التي أجراها في مصر قادة حماس عددا ومستوى منذ علاج الشيخ "أحمد ياسين" تنهض دليلا على هذا .و لأن "الإخوان" بالأصل حركة دولية لا مركزية و لاتلزم فروعها بما يتخذه المركز من قرارات . وأحيانا نجد اختلافات في الرؤى السياسية بين الإخوان هنا وهناك. ومثلا فان "إخوان " العراق يشاركون في العملية السياسية برعاية الأمريكيين ( يمثلهم الحزب الاسلامي بقيادة "طارق الهاشمي" نائب الرئيس ) .أما "إخوان" الأردن ("جبهة العمل الاسلامي "و " الإخوان المسلمين " معا ) فهم يرفضون تماما أي مشاركة في عملية سياسية تحت الإحتلال الامريكي . ولعل هذا المثل يكفيى لفهم طبيعة العلاقات بين فروع الإخوان و بينها وبين المركز . وبالتالي فإن "حماس" لاتأخذ قراراها من القاهرة . واذا كان ثمة تأثير مصري علي الحركة الفلسطينية فهو يرجع الى الدولة أكثر وليس الى قيادة الإخوان في القاهرة . وعلى الجانب الآخر ، علينا الاننتباه الى ان مصر دولة منذ القرن التاسع عشر تصدر الأفكار والتيارات السياسية ولاتستوردها و على اختلافها وتباينها .مصر لم تستورد نموذجا واحدا من محيطها . وبالتالي يصعب القول بان مايجري في فلسطين من جانب "حماس" أو حولها سوف يؤثر على "إخوان مصر" . لكن بالمعني السياسي الأعم فان مصر عرضة لتأثيرات قد تنجم ممايجرى في غزة ولحماس و المسألة مفتوحة على احتمالات عدة . والسؤال هنا هو كيف ستتعامل مصر الرسمية مع هذه الأزمة ؟.. وهل تقع في الفخ المنصوب أمريكيا واسرائيليا مما يجلب اليها تداعيات داخلية ؟.
السيناريو الأول و السيناريو الثاني
* لكن الإسراع بالاعتراف بحكومة فياض يقطع الطريق على الحركة والمناورة بين احتمالات عدة ؟
ـ في رأيي اننا امام "سيناريوهين إثنين لا ثالث لهما .الأول بدعم اول امريكي اسرائيلي اوروبي و عربي ضمني . و يقضى بعزل "حماس" وضخ الاموال لحكومة "فياض" وفتح مفاوضات الإسرائيلية معها و حل المجلس التشريعي الفلسطيني و اجراء انتخابات جديدة . و هذا السيناريو سيدفع الي مزيد من النزاعات في فلسطين . فحركة " حماس" ليست مجرد "ميلشيا "، بل هي بالاساس حركة اجتماعية سياسية لها جذور بين الناس. و السيناريو الآخر يراهن على تفعيل دور الجامعة العربية و قراراتها ولجنتها وبهدف المصالحة الفلسطينية . وهو ينتظر دورا رئيسيا لمصر والسعودية . وأعتقد بأن العرب رسميا بالأساس مع السيناريو الثاني . والدليل ان قرارات الجامعة العربية اعترفت بشرعية كل من المجلس التشريعي ورئاسة ابو مازن . لكن السؤال هو هل يستطيع العرب الافلات من ضغط اصحاب السيناريو الأول وتعجلهم الاجهاز على "حماس " .
* ألا تعنى المسارعة بالاعتراف بحكومة فياض الأنحياز للسيناريو الأول ؟
ـ تقديري لا .. مصر الرسمية حتى الآن ليست مع هذا السيناريو . من يروج له هنا في القاهرة مجموعة من "المهيجين الإعلاميين" و"السياسيين فاقدي البوصلة ".لكن عليهم ان يتذكروا بان تنفيذ السيناريو يتطلب التضحية بستين في المائة من الشعب الفلسطيني يؤيدون " حماس" ، وأن هذه الحركة ليست نتوء عسكريا يمكن استئصاله. فقد تمكنت الحركة من بناء قواعد مجتمعية منذ ستين عاما على أيدي حركة الإخوان هناك ثم حققت انجازا سياسيا وعسكريا منذ تسمية " حماس " في 1987 وحتى اليوم . وأرى ان اقتلاع "حماس" سيدخل مصر في مشاكل عدة وأظن ان الدولة المصرية على عكس وجهها الإعلامي تدرك خطورة السيناريو الأول . و الدولة المصرية الي حينه لم تطلق تصريحات حادة ضد "حماس" الى حينه.. هذه الحدة عند الإعلاميين فقط وليس المسئولين .
* لكن ألا ترى أن جانبا من جهاز الدولة ينظر الى "حماس" بريبة وبوصفها إمتدادا للإخوان في مصر؟
ـ الدولة في النهاية لا تتعامل مع "حماس" بوصفهم "إخوانا" ،وهي مدركة بان "الاخوان" عندنا لا يتدخلون في قرار "حماس" و أيضا بأن تأثير الحركة الفلسطينية على "الإخوان" المصريين يظل محدودا . لذا تبقى للأمن القومي المصري مصالح تتطلب التعامل مع " حماس" . وعلينا ان ننتبه هنا الى ان القاهرة استقبلت خالد مشعل و اسماعيل هنية بعد الضربة الأمنية والإعلامية التي تلقاها "الإخوان" و القبض على النائب الثاني للمرشد " خيرت الشاطر " ورفاقه .فأكبر المستويات القيادية في "حماس " كانت في ضيافة الدولة المصرية مع ذروة الأزمة مع "الإخوان" .
مخاطر الاقصاء
* الى اي حد يصادر ما يحدث لحركة "حماس" فرص الإسلاميين بالمنطقة في الوصول الى الحكم عبر صناديق الانتخاب ؟
ـ بالقطع التدبير الجاري ضد "حماس" وفي المنطقة هو الإطاحة بهكذا فرص.و المستهدف اعطاء نموذج سلبي وسئ لهذه الفئة من الإسلاميين السياسيين السلميين ، وذلك بتصوير "حماس " منظمة ارهابية تقوم بعملية انقلابية تتجاوز الأسس الديموقراطية . لكن صناعة الصور الإعلامية اصطناعا وتصديرا لا يلغى ان "حماس " حقيقة موضوعية كما الإسلاميين الآخرين .هم بالقطع ليسوا صورا اعلامية يجرى نشرها في صحف و فضائيات ليس إلا . إنهم حقائق على الأرض . مايحدث لـ"حماس" الآن يستهدف قطعا اعطاء مشروعية لاقصاء الاسلاميين من الحياة السياسية على نطاق واسع . لكن هل بالامكان اقصاء الاسلاميين عن مجتمعاتهم . لا قطعا، بل ربما تزيد الشعبية المجتمعية نتيجة الاقصاء السياسي .و ما يحدث الآن لا اراه مؤثرا في شعبية الحركات الاسلامية الأمد المتوسط والبعيد .
* لكن هناك حكومات ونخب في المنطقة تترقب بلهفة فشل "حماس" في الحكم كي تقول :"أنظروا النتائج وأحذروا تكرار التجربة عندنا" ؟
ـ هنا يجب إعادة التذكير بطبيعة الحالة الفلسطينية . فنحن ازاء حالة استثنائية في النظم السياسة . سلطة و شعب وارض تحت الاحتلال وكلها منتقصة . أما "حماس" فقد استلمت السلطة منفردة خلال تسعة اشهر فقط . ولذا يحق التساؤل :متي حكمت كي نحاكمها ؟. وبالأصل فإن العملية الديموقراطية لم تتحرك في مسارها الطبيعي بعد فوز حماس في انتخابات يناير( كانون ثاني ) 2006. و من البداية جري قطع الطريق على الحزب الفائز بالأغليبة ، و حرمانه وتجريده من ادوات الحكم الرئيسية :المال والاقتصاد والأمن و السيطرة على الحدود . ولعل مشهد انتظار " إسماعيل هنية " على الرصيف كي يدخل الى غزة يلخص معان مهمة . إذن متي وماذا كانت "حماس " تحكم ؟ . ويتحمل وزر الفشل من قطع الطريق على "حماس في الحكم ،إن كانت فشلت . وإذا ما أخذنا مجمل المشهد في المنطقة فعلينا ان ننتبه الى التجربة التركية .
* كيف تعتقد بأان انظمة عربية الى جانب السيناريو الثاني فيما هي تخشى إنتقال عدوى "حماسط عندها؟
ـ هذه الانظمة تراوح بين الخوف من نموذج اسلامي ناجح ديموقراطيا وانتخابيا تأمل التخلص منه وبين الخوف من تداعيات السيناريو الأول . وأظن ان محصلة الصراع بين هذين التخوفين ستحدد مواقف الدول العربية مستقبلا . و لا شك ان هناك في مراكز القرار و السلطة من يدركون عواقب السيناريو الأول بوصفه " فوضى خلاقة " . فإذا جرى اقصاء "حماس بالقوة" و بمشاركة إسرائيلية أمريكية فتحاوية عربية سنفتح الباب لظهور حالات إسلامية جهادية جديدة داخل فلسطين وبامتداد المنطقة .
الاقتلاع المستحيل
* تجربة "حماس " محل اهتمام الاسلاميين على نطاق واسع . وفي ظل الأزمة الراهنة ثمة تخوفات من إخراج الحركة عن طريق العملية السياسية والديموقراطية وحشرها في زاوية الجماعات الارهابية ؟
ـ و هذا أيضا رهان في منتهى الخطورة .. وإسرائيل هي التي بادرت باطلاق وصف "الارهاب" على "حماس" و تبعتها الولايات المتحدة و بخاصة مع ادارة بوش المهووسة بالحرب العالمية على الارهاب . وجزء من التدبير الجاري ضد "حماس " الآن يتعلق بما اشرت له من هذا النقل الذي اراه مصطنعا و اعلاميا ..من خانة الحركات الاجتماعية السياسية الى خانة المنظمات الارهابية المتشددة على غرار القاعدة وطالبان . مثل هذا التدبير سوف يؤدي الى نتائج بالغة الخطورة وإن بدا غير ممكن واقعيا . وعلينا ملاحظة ان الدول العربية الأكثر قسوة في الخصومة مع الإسلاميين ذوي الطبيعة السياسية الاجتماعية لم تلجأ الى الاتهام بالإرهاب ( حالة مصر والإخوان ) . وبالتالي فإن هذا النقل القسري المصطنع لحماس من فئة الي اخري و ما قد يصحبه من مواجهات واسعة بعضها أمني و عسكري ينطوي على مخاطرة كبرى . فمحاولة جر نظم عربية الى هذه المواجهة سيترتب عليها نتائج خطيرة من بينها :بروز حالات جهادية بالمعني القاعدي والطالباني / فضلا عن حدوث انشقاقات كبيرة في "فتح" و قد تنشأ منها حركات اسلامية، وليس حالة "فتح الاسلام" ببعيدة . و الأمر قد يمتد الى الدول المجاورة لان مواجهة مع حماس بهذا الشكل ( التصفية بتعاون اسرائلي امريكي فلسطيني عربي ) من شأنه استثارة قطاعات كبيرة من الشباب سواء في فلسطين أو دول الجوار . وقد ينخرط هؤلاء الشباب في نماذج اسلامية متشدده و عنيفة .ومرة اخري يجب الانتباه الى ان " حماس " ليست مجرد " ميلشيا عسكرية ".. و اقتلاعها شبه مستحيل .. وعند المحاولة ستترتب اعراض جانبية اخطر مما يتصورونه مرضا رئيسيا .
* هل تعتقد بفاعلية الحملة الإعلامية الجارية ضد "حماس" بين النخب والجماهير ؟
ـ من يقود هذه الحملة الآن معروفون بانهم رواد هكذا حملات .و معظمهم كان منخرطا في الحملة ضد " حزب الله " الصيف الماضي . و ربما اضيف اليهم من قرأوا تحريضا مكثفا ضد "حماس" ولم ينظروا بقية الصورة . و هناك من ظن او تعمد اثارة الظنون بأن من رفع علم "حماس" فوق مقر السلطة في غزة هو "هنية "وليس مقاتلا شابا قد يكون نظيره في "فتح" فعل ما أشبه أو اكثر منه .
* أشرتم الى تطبيق سيناريو الفوضى الخلاقة على فلسطين ..مافرص نجاحه ؟
ـ ثمة مخاوف من تكرار خطيئة الامريكية في العراق. فالامريكيون حينها اعتقدوا ان ازالة نظام الحكم كاف لبداية جديدة ، لكنهم اكتشفوا لاحقا ان المسألة مختلفة . و الآن نفس المنطق يجري مع فلسطين . هم يتصورون امكانية الانقلاب النهائي على "حماس" والتخلص منها تماما . وهكذا فالمنطقة مرشحة لبؤرتين من الفوضى لا واحدة ، مما يطيح بما تبقى من استقرارها ويصيب نظما عربية .
* ظهرت في الإعلام المصري اخيرا تعبيرات كـ " حماس ستان " و " الدويلة الاسلامية " على حدود مصر .. ما رأيكم ؟
ـ هى محض مبالغات اعلامية .. لنسأل أولا من اعطوا أصواتهم لـ"حماس" مسلمون ومسيحيون : هل كان ذلك لدولة اسلامية ؟.. بالقطع لا . و أسال الدولة المصرية وقلبها الصلب ( الجهاز الامني الأهم في مصر ) هل غفل عن هذا السعي " الحمساوي " كل هذا الزمن واكتشفه فجأة .أظن الأمر لا يعقل و ينطوى على تشكيك مفرط في كفاءة القلب الصلب للدولة المصرية معلوماتيا وتحليليا .ودعنا نسأل من يطلق هذه المبالغات في الإعلام : هل يشككون بحق في الأجهزة التي تعاملت مع "حماس "واستضافتها؟ . وهل كانوا غافلين بينما يستضيفون آية الله "خالد مشعل" و الملا " اسماعيل هنية".. هذا غير معقول أو مقبول .
" الوقت " في 19 يونيو 2007
