أسر سعودية تعيش في بيوت "صفيح" وأخرى لا تجد ما تأكله

tamkin - أحد, 2007-08-05 07:02 By tamkin

الشتاء يضاعف المعاناة، والسقوف عاجزة عن مقاومة المطر

القطيف: زينة علي

 تعاني أكثر من 50 أسرة سعودية في محافظة القطيف بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية ظروفاً مأساوية في بيوت من الصفيح تنعدم بها أساسيات المسكن الطبيعي. وتتركز بيوت الصفيح في المحافظة في منطقتين هما جزيرة تاروت وبلدة العوامية اللتين تحتضنان أحياء تُعرف بأحياء "الصنادق". ويقدر أحد المسؤولين في جمعية تاروت عدد بيوت الصفيح في الجزيرة بـ 40 منزلاً تتوزع في 3 مواقع، بينما يقدر عددها في العوامية بـ 12 منزلاً. وأكدت اللقاءات التي أجرتها "تمكين"مع عدد من سكان هذه المنازل وجود معاناة تشترك فيها الأسر جراء ما يواجهونه في منازل من الخشب والصفيح تفتقر إلى أساسيات السلامة، وعلى نحو يهدد حياة الساكنين، وسط تجاهل الجهات الحكومية والجهات المعنية مساعدة الأسر على تخطي أوضاعهم المعيشية الخانقة.

<!--break-->

"الهويدي" عائلة تسكن في بيت من الصفيح وقد تأثر منزلهم بحريق اشتعل قبل أكثر من عام وأتى على أجزاء منه، شملت "الصندقة" ذات الساحة الضيقة التي يعيش فيها ابنهم إدريس وزوجته وطفلاهما، في حين تسكن عائلة الأب في "صندقة" أخرى من الصفيح والخشب أيضاً. تقول أم أحمد الهويدي:"سكنا في هذا المنزل منذ 25 سنة، بعد أن انتقلنا لها من منزل مشابه في منطقة تعرف باسم الجبل. وتتذكر أم أحمد منزل "العشش" الأول الذي كان مبنياً من السعف وجذوع النخيل، وكان يحتوي على غرفة واحدة تعيش فيها هي وزوجها وأبناؤها الخمسة. وترى أم أحمد منزلهم الحالي متطوراً عن الأول لأنه يتكون من الخشب والصفيح، وأقلّ خطورة من المنزل الخوصيّ القديم. وتقول: "عمل زوجي فراشاً في مدرسة، ولم يكن دخله كافياً لشراء ارض، وبناء بيت، وإعالة الأسرة في الوقت نفسه، فبنينا لنا بيتا بسيطا من الخوص وجذوع النخيل فوق هذه الأرض التي لا نمتلكها، ولن نستطيع أن نبني البيت الذي يؤمن لنا الأمان والحياة الكريمة، الا بمساعدة أهل الخير، وقد فعلوا كثيرا وساعدونا في سقف هذه العشة ووضع قطع الصفيح التي أصبحت تحمينا بعض الشيء من المطر في الشتاء".

 أما زوجة أبنها الشابة "أم محمد" فقد بدت أكثر تأثراً بواقع حياتها الصعب، خاصة أنها تربي طفلين (محمد وأحمد 9 و4 سنوات).. تقول: "هذه هي حياتي منذ أن تزوجت قبل 11 عاما، وأنا أعيش في هذه الغرفة المكونة من الخشب، وكان سقفها من الخوص، الأمر الذي جعلنا لا نستطيع السكن بها وقت المطر، حيث تدخل لنا مياه الأمطار من بين الجدران ومن فوق السقف وتغمر كل ما بالغرفة". وتتذكر أم محمد الوقت التي تطوّر فيه سقف غرفتها من "الخوص" إلى "الخشب".. وتقول: "قبل عامين شبّ حريق في منزل جيراننا، ثم انتقلت النيران منهم لنا، وأحرقت سقفنا، فوضعنا قطعاً خشبية لنا كسقف إلى أن يغيّر الله الحال، فنتمكن من بناء سقف يقينا من البرد والمطر بشكل أفضل". وتضيف: "ثم نشب حرق آخر وأحترق السقف قبل أشهر، بعد حريق في منزل جيراننا. وفي المنزل تمتد توصيلات الكهرباء والأسلاك بشكل عشوائي، ودون أي ساتر يحمي من خطرها، كما تمتد أسلاك أخرى بالقرب من دورة المياه، التي لا تتجاوز مساحتها متراً في متر. والغرفة التي تعيش فيها أم محمد وزوجها وطفلاهما، هي غرفة للسكن، والمعيشة، والجلوس، والأكل، واستقبال الضيوف. وتقول:"لا أعرف في بعض الأيام من أين سأطعم أبنائي، فمساعدات الجمعية لا تكفينا حتى نهاية الشهر، وزوجي لا يجد له عملاً أغلب الأيام، وإن وجد فهو لا يدخل عليه غير 100 إلى 200 ريال في الشهر، وذلك لا يكفي حتى لتسديد ديون البقالة". وتضيف وهي تبكي:" لو كنت اعرف بأننا سنعيش هكذا لما أنجبت أبناء، لأنني أحار في إطعامهم، وتوفير احتياجاتهم، وأبني الكبير في المدرسة، ويحتاج لحاجيات ومصاريف يومية أعجز عن توفيرها له، ويعجز والده الذي لا يجد له وظيفة في ذلك".

  

أما عائلة "أبو عبد الله" المكونة من 15 شخصاً فإنها تسكن في في 3 غرف خشبية لها سقف الصفيح، وبالطبع فإن ضيق المكان هو أول الشكاوى البادية في وجوههم قبل ألسنتهم.. وفوق ضيق المكان هناك عدم توفر احتياجاتهم في الصيف والشتاء، فمنزلهم المكون من الصفيح يزيد من حرارة الصيف عليهم، والمكيفات التي تكاد برودتها تنعدم تعمل طوال اليوم، دون أن تؤثر في الحرارة شيء. وفي الشتاء لا دفء في هذا المنزل، ولا حاميَ من المطر.. تقول ربة المنزل إن منزلهم كان قبل سنوات أخشاباً مصفوفة تنهار عند نزول المطر، ولا تحميهم من شيء، فطلبوا مساعدات من أهالي الخير، وساعدوهم في جمع مبلغ محدود لم يكفهم إلا لبناء غرفتين من الاسمنت، في حين بقيت الغرفة الثالثة كما هي خشباً وصفيحاً. وتضطر عائلة "أبو عبد الله" في الشتاء إلى استعارة مدفئة لمواجهة البرد، في حين يحصلون على بطانيات من جمعية العوامية الخيرية. وتضيف: لم نتمكن من الحصول على منزل لأن زوجي المسنّ بلا عمل. وتضيف:" نعيش مع أبنائنا في غرفة صغيرة دون أن نستلم أي مساعدات من الحكومة، ولا حتى من الجمعية الخيرية التي نذهب لها حين نحتاج لشيء ضروري، وتعطينا في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى لا تعطينا شيء". وتشكو الأسرة من الشتاء وتدخل مياه الأمطار من كل مكان إلى المنزل.. تقول:"نذهب إلى منزل إحدى قريباتنا، ونضطر لانتظار المطر حتى يتوقف.. لا نعرف في كل عام كيف سنعيش في العام الذي يليه، وكيف سيعيش أبناؤنا، ونتمنى ونحلم بأن نؤمن لهم منزلاً يشعرهم بالراحة والأمان، ولكن لا مال لدينا إلا ما يعطينا إياه أهل الخير لنعيش به".

 في الحي نفسه هناك أسرة "التحيفة" التي يسكن أفرداها في غرفتين من خشب، وهناك غرفة واحدة بنيت مؤخراً. وتتكون عائلة التحيفة من 7 أفراد، ويعمل الأبناء الصغار في "تشليح" السيارات ويساعدون والدتهم في بعض احتياجات المعيشة، بعد فقد الوالد وظيفته منذ أكثر من 20 سنة، إلى إثر إصابته في حادث على طريق الجبيل. وتتذكر أم محمد التحيفة الحرائق التي مرت بحيهم كما تتذكرها باقي جاراتها وتقول:"مرت بنا حرائق كثيرة وأحرقت منازلنا وعدنا وبنيناها، لتحترق من جديد، وفي كل حريق يمر علينا تزداد خسارتنا، وتزداد عيشتنا سوءاً". تضيف:" في أشد أوقات حاجتي ألجأ إلى الجمعية الخيرية لتساعدني في بعض الاحتياجات، إلا إننا لا نحصل على مساعدات حقيقية سوى مساعدة الضمان الاجتماعي الخاصة بابني المعوق، وهذه المساعدة أصحبت مصروف للمنزل". وتضيف بحسرة: "كان يصرف لنا 1800 ريال، وتقلصت لتصبح 1600 ريال، وعادت مرة أخرى لتتقلص وتصبح ،1400 حتى أصبحت أخيرا 800 ريال، إلا إننا نقبل بها لأنها تساعدنا في بعض الضرورات" ومنزل أم محمد التحيفة لا يختلف عن باقي المنازل من حيث انعدام وسائل السلامة في تمديدات أسلاك الكهرباء والتي تمتد بين الغرف الخشبية مكشوفة دون أي حامي، بالإضافة لبعض الأسلاك الموصولة بالكهرباء والممدة على الأرض. أما دورة المياه التي يستخدمها كل أفراد العائلة، فهي عبارة عن حواجز من الخوص، على مساحة من الأرض، مبنية بشكل بدائي جدا، لتكون دورة مياه العائلة، ومغسله للصحون، والملابس وكل ما يراد غسله.

 على الطرف المقابل لهم، يقع منزل آخر يسكنه عجوز ثمانيني، يعرف في البلدة باسم "ابن ربيع"، وهو يعيش وحيداً في غرفة واحدة مكونة من الخشب والصفيح، تنعدم بها كل الأشياء التي يحتاجها أي منا، فأرض الغرفة التي ينام عليها ويعيش لا يغطيها شيء غير الرمل والحصى الصغيرة، بالإضافة للسقف المكون من الخوص، والجدران المكونة من الأخشاب المتهرئة، والتي جمعها منذ زمن قديم، ليبني بها غرفته التي يسكنها منذ نصف قرن يقول:" أسكن وحدي في هذه الغرفة منذ أكثر من 50 سنة، حيث توفيت زوجتي، ولم يكن لنا أبناء ليعيلوني على هذه الحياة، فأصبحت أعيش على مساعدات أهل الخير، أو من بيع بعض الأشياء التي اجمعها من الزبالة، وباقي حاجيات الناس التي يتخلصوا منها، لأبيعها في سوق الخردة بأي سعر يضعه المشتري، لأؤمن لي ما يكفيني لطعام اليوم فقط" ويضيف:" كنت اخرج سابقا في كل يوما، لأبحث لي عن ما لا يحتاجه الناس، وأبيعه في السوق، اما الآن فقد انعدمت قواي، ولم اعد اقدر على السير الطويل، ولا على الخروج من المنزل، ويساعدني أهل الخير من الجيران، حيث يعطوني من طعامهم، بالإضافة لمبلغ من المال تصرفه لي الجمعية الخيرية أشتري به ما احتاجه من ماء وطعام لا يكفيني لنهاية الشهر". ويشكو محمد بن ربيع من الحر حيث يعلق قائلا:" الحر تعودت عليه ولكنه يزداد لدرجة تسبب لي الاختناق". وفي الشتاء لا يحميه من البرد والمطر شيء، حيث تغرق ارض غرفته الرملية بالماء وتتحول الى طين لا يمكن لإنسان العيش فيه، إلا انه لا يجد غير هذا المكان ليعيش فيه يقول: " في الشتاء احمل فراشي من زاوية إلى أخرى إلى أن يصل ماء المطر للزاوية التي أنام بها، وقد وجدت لي في السنة الفائتة قطعت من الصفيح رماها احد أصحاب المزارع القريبة، فأخذتها ووضعتها كحاجز لي، حتى لا يصل المطر إلى فراشي الذي يكون مبلولا طوال الشتاء". ورغم عيشه وحيدا منذ سنوات إلا انه يحافظ على ترتيب غرفته الخشبية التي بعيش بها يقول:" رغم الوضع المزري الذي أعيش به، إلا أني لا أحب أن ارمي شيء داخل مكان معيشتي، وأرتبها بشكل دائما، إلا إن انعدام المال والحاجة للعيش والسكن هي ما تجبرني على العيش في هذا المكان".

أما عائلة آل دخيل فلا تحمل أبنتهم زينب ذات الـ 9 سنوات سوى ذكرياتها مع اللوح الأخضر الذي يشكل جزء من جدار غرفتها وتتخيله هي سبورتها التي تشرح عليها الدروس لطالبتها في المدرسة، وتسكن زينب مع عائلتها المكونة من 6 أخوة و5 أخوات ووالديها في 3 غرف من الخشب والصفيح، تقف عند الجدار وتبتسم لنا وتشرح الدرس الذي كتبته على الجدار في حين تسرد لنا والدتها (أم علي) معاناتهم، وتقول وهي ترتجف من البرد:" لا نجد لنا في هذا الشتاء ما يدفئنا ويمنع عنا هذا البرد، فحتى المدفئة الكهربائية التي نتجمع عليها جميعا لا تمنع عنا البرد الذي يتسلل من فتحات الجدران الخشبية والسقف وحتى من الأبواب والنوافذ التي لا تخلو من كسور وفتحات". وتضيف: "حين ينزل المطر نخرج لساحة المنزل لنهرب من المطر للمطر، فغرفنا التي نأوي لها تغرق بالماء، وتتبلل كل الأسرة، والملابس، والأثاث ولا نجد مكان غير هذا "الحوش" لننام به بعد أن نعلق لنا طربال يحجز الماء عنا، ونتبلل" اما في الصيف فالوضع ليس بأفضل من الشتاء:" لا يؤثر التكييف في الحر ولا يغير منه شيء، فالوضع بدون تكيف مثله مع تشغيل المكيفات حتى أننا في فصل الصيف نبلل ملابسنا ونجلس عند هواء المكيف لنخفف من الحرارة التي لا تحتمل" وتتذكر أم علي بداية قدومهم للسكن في منزل الصفيح. وتقول:" قبل 16 عاما توفي والد زوجي الذي كنا نسكن في منزله، وبيع المنزل فخرجنا منه وبنينا لنا غرفتين على هذه الأرض بعد أن دفع زوجي نصيبه في ورثت والده للدائنين الذي كانوا يطالبونه بحقوقهم، فدفعنا حقهم وبقينا نجمع اللاواح والأخشاب المهملة لنبني لنا غرفة ثالثة، وبشكل تدريجي أصبح منزلنا بهذا الشكل الذي هو عليه الآن" وتتذكر:" من قبل لم يكن بهذا الشكل، كان مجرد جدران من الخشب وسقف من الصفيح، والأرض تراب لا تغطيها سوى "المديد" التي فرشناها لنضع عليها فراشنا ولنجلس عليها، تأجرنا الأرض من صاحبها وهي مزرعة نخيل ميته وبنينا لنا هذه "العشة" وعشنا بها حتى كبر أبنائي وهاهم يحاولون تغييرها ولكن من يعمل منهم لا يكفي راتبه سوى لطعامنا وزوجي الذي يعمل فراشاً في مدرسة، يحاول أن يوفر لأبنائه وبناته حاجاتهم ويقتطع في كل شهر من راتبه مائة ريال ليدفع إيجار الأرض، واذا لم ندفعه لن تكون لنا حتى عشة لنسكن بها". أما زهراء أصغر الأبناء فلا تريد أن تتحدث سوى عن منزل جيرانهم الذي أحترق قبل أشهر وتقول:" كنت ألعب مع فاطمة وكان منزلهم هنا بالقرب منا ولكنه أحترق، ولم تعد تلعب معي"، ويبدوا منزل آل دخيل أشبه بالمفخخ بالمخاطر فتوصيلات الكهرباء ممدة على الجدران بالقرب من السقف وفتحات الكهرباء مكشوفة على الجدران التي يظهر عليها أثر سيل المياه التي تتسرب لهم في المطر، وتتمنى أم علي لو يستطيعوا أن يبنوا لهم غرفتين فقط تحميهم من برد الشتاء ومن حر الصيف.

ولا يختلف وضع أسرة "العيش" عن حال أسرة آل دخيل سوى أنهم أكثر عددا ويمتلكون غرفة مبنية بالحجر وبها سقف يجمعهم تحته وقت المطر، تقول والدتهم التي يبدوا عليها التعب والجهد بأنها تعودت على هذه الحياة ولكنها تشعر بالخوف والقلق على مصير أبنائها الذين لا يجدون أعمال وستكون هذه "العشة" هي مصيرهم، وتعاني أم محمد من الخوف والقلق على مستقبل أبنائها ومصيرهم أكثر من معاناتها من السكن في 3 غرف من الصفيح تسكنها هي وزوجها وأولادها العشرين تقول:" حالنا في هذه "العشة" لا أستطيع الكلام عنه فمن يدخلها يستطيع أ يتخيل كيف سيكون حالنا بها في الصيف أو في الشتاء" مضيفة بألم:" لكن ما يضاعف علي العذاب أن أرى أبنائي عاجزين عن فعل شيء لأنفسهم، فانا لا أريد منهم أن يغيروا شيء في هذه العشة فنحن ولله الحمد نحصل على معونات ومساعدات من أهل الخير، وقد بنوا لنا غرفة متكاملة بكل شيء نجد بها راحتنا في وقت المطر وحتى في الحر، ولكني لا أرغب سوى في منزل يأوي له أبنائي حتى ولو بقيت ووالدهم في هذه العشة أرغب لهم بالعيش في منزل وليس العيش في عشة لا تحمي من شيء" وتتذكر أم محمد عدد السنوات التي قضوها في "العشة" وتقول:" لا أستطيع أن أتذكر عدد السنوات فلا هي 10 ولا حتى 20 عاماً ربما أكثر مضت من عمري ولن تنتهي الا بنهاية حياتي، لا أستطيع أن أحسبها كم سنة بعدد السنوات ولكن سأحسبها بعدد المصائب والألم التي مرت بنا" وتتذكر:" قبل 6 سنوات مرضوا 5 من أبنائي في وقت واحد في فصل الشتاء وكان وقتها مطر غزير، أحملهم واحد واحد وأوزعهم على بيوت جيراننا لأخبئهم عن المطر، لم يكن عندي حل غير ذلك، لا مكان في "عشتنا" يحميهم من المطر، وأجسادهم متجمدة من البرد ولم أجد حل غير ذلك، كنت كالمجنونة أحملهم وأركض بهم بعد أن أغطيهم بالملابس واضع فوقهم غطاء من البلاستيك حتى لا تتبلل الملابس التي وضعتها عليهم، وأركض بهم لأقرب بيت من بيوت جيراننا أتوسلهم أن يأخدوا أبني ويدفئوه عندهم، وبقيت يوماً كامل كالمجنونة أتنقل بين منازل جيراننا منزلاً منزلاً لأطمئن عليهم، الى أن تماثلوا للشفاء وعادوا للمنزل وكل واحد منهم يتحدث بحسرة عن ما وجده من راحة في منزل جيراننا". وتصمت طويلا ثم تقول:" لا أستطيع أن أتذكر أكثر، لولا نسياني لمت من الآلم" وتنسحب عنا وتتركنا بعد أن صرخ أحد أبنائها وقال:" لن يغيروا شيء، كذابون، جاءوا وسألوا وصوروا من قبل ولم يفعلوا لنا شيء، ولن نظل نبكي أمام الجميع طوال حياتنا" وخرجنا من المنزل بعد أن شعرنا بضيق الأم وأبنائها من وجودنا.

أم علي معيلو شابة لديها 9 أولاد تكاد لا تشعر بالحزن رغم وضع منزلهم ووضع أولادها الذين علمتهم الرضا. وهي تسرد قصتها بوجه مبتسم راضية بما هي فيه وتقول:"أشعر بأن الوضع عادي لنا، الحمد لله نستطيع أن نأكل كل يوم وهذا الأمر يكفينا في الحياة، كل ما نعانيه هو ضيق المنزل فلا توجد لدينا غير غرفتين للنوم والسكن، كما أننا نعاني أيام المطر من تبلل كل ملابسنا وأغراضنا، فلا يوجد لدينا خزانة للملابس فاضطر لوضعهم في أكياس ألا انها تتبلل اذا نزل المطر". وتحاول أم علي التكتم على معاناتهم بالصمت والابتسامة فتردد بين كل حين :" أشعر أن الوضع عادي ونحن مرتاحين والحمد لله" وتتمنى أم علي كأقصى أمنية يتمناها الفقراء أن تتوفر لهم غرفة أخرى بالآضافة للغرفتين التي يسكنوا بها لتكون غرفة للجلوس.

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد