wednane3ish - أرب, 2007-08-29 21:40 By massaad
ففي منتصف ليل السابع من تشرين الأول 2004، انفجرت قنابل في ثلاثة منتجعات على الساحل الشرقي لشبه جزيرة سيناء. مزق الانفجار الأكبر فندق الهيلتون في منتجع طابا الشهير، موقعاً عشرات من القتلى بين السياح النائمين، وجارحاً عدداً أكبر بكثير؛ وبحلول اليوم التالي كانت الحصيلة 34 قتيلاً، عشرة منهم إسرائيليين.بعد الحادث الفظيع على الفور، اعتقلت قوات الأمن المصرية بطريقة عشوائية واعتباطية جداً آلافاً من الناس وعذب كثير منهم بعد ذلك. أصدرت هيومان رايتس ووتش تقريراً بعد حوالي أربعة أسابيع قالت فيه أن ما يقارب 2400 محتجز ما يزالون قيد الاعتقال. كان معظم هؤلاء - رجالاً ونساءً - من العريش، المدينة الجميلة على ساحل المتوسط شمال سيناء. كان العقل المدبر لتفجيرات طابا، وهو الفلسطيني إياد سعيد صالح، يعيش في مدينة العريش. لكن ثمانية رجال تقريباً قد شاركوا في الهجوم مع صالح على ما يقال، بينما ما يزال أكثر من مائتي رجل محتجزين من قبل قوات الأمن المصرية حتى اليوم.فقدت سماح أبو شتا، وهي امرأة من العريش، زوجها واحتجز أحد عشر فرداً آخرين من العائلة. لقد أخذت سماح، مع نساء أخريات ذوات وضع مشابه، على أنفسهن عهداً "بأن يقاومن حتى الموت أو أن يتم الإفراج عن رجالهن"[i]. تذهب مجموعة من هؤلاء النسوة كل يوم جمعة إلى مركز العريش للاحتجاج مطالبات بإطلاق سراح أقاربهن.ليست القضية قضية بدو في أساسها. ولكن الأكثرية الساحقة من الرجال وعائلاتهم الذين عانوا كنتيجة للاحتجازات الأمنية بعد التفجيرات كانوا من البدو. كما أن كثيراً من العمال في صناعة السياحة في سيناء، ممن عانوا نتيجة لانخفاض عدد السياح بعد التفجيرات، هم من البدو أيضاً. علاوة على ذلك، شجعت تفجيرات طابا حكومة القاهرة على تشديد قبضتها الأمنية على بدو سيناء.يعيش بدو سيناء البالغ عددهم 80,000 ظروفاً متداخلة؛ فهم يعملون بالقرب من المنتجعات المترفة وفي داخلها، بينما يعيشون دون مياه شرب وكهرباء؛ وهم يستفيدون من السياحة لكنهم مستغلون من قبلها؛ إنهم يعتمدون على السياح المصريين والإسرائيليين معاً محاولين المحافظة على ثقافة الترحال القديمة رغم استقرارهم في المدن والقرى، ومتخلين عن الأعراف المحافظة التقليدية لصالح التفاعل مع سياح أجانب أقل تحفظاً بكثير. إن شبه جزيرة سيناء مكان مجدب ومهجور فيه مساحات خضراء محدودة وزراعة محدودة. وفي القسم الأكبر من تاريخها كانت سيناء مجرد منطقة وسيطة بين المشرق والسعودية في وبين مصر. على أية حال، لم تكن سيناء خالية من السكان في يوم من الأيام. كان هناك على الدوام قبائل البدو الرحل الذين يهاجرون ضمن سيناء وعبرها، ويمكن لبدو هذه الأيام أن يتحدثوا عن تاريخهم الطويل في تلك المنطقة.لكن البدو الرحل لم يلتزموا بالحدود الحديثة للمنطقة، ولذلك توجد أعداد كبيرة منهم في صحراء النقب في إسرائيل وفي الأردن المجاورة. كان القرن العشرين شديد الوطأة على البدو كما كان قاسياً على الرحل في كل مكان. فبوجود الحدود الصارمة للدول القومية، فقد الناس الرحل غالباً إمكانية السير على دروبهم التقليدية. ومع محاولة الدول القومية مركزة سلطتها، بدأت بتوطين البدو بحيث يمكن أن يكون لهم أرقام وعناوين دقيقة وعلى نوع ما من الاستقرار.واجه بدو سيناء وضعاً فريداً من نوعه، حيث تغيرت القوى التي خضعوا لها عدة مرات من العثمانيين إلى البريطانيين إلى مصر ثم إلى إسرائيل ومن ثم عادوا للسيطرة المصرية عدة مرات جيئة وذهاباً. وفي الخمسين عاماً الأخيرة، احتلت إسرائيل سيناء في 1956، وسرعان ما سلمت إلى مصر مرة أخرى، ثم احتلت من جديد في عام 1967، لتسلم إلى مصر بشكل تدريجي من العام 1974 حتى 1982، حيث سلمت إسرائيل كل شيء ما عدا طابا، التي لن تعد إلى السيطرة المصرية حتى 1989.تغيرت حياة البدو تحت وطأة الاحتلالات المختلفة. فقبل الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ في 1967، وجد تطور صغير في صناعة السياحة في سيناء خارج الساحل الشمالي (أي خارج أماكن مثل العريش مثلاً). حافظ كثير من البدو على وجودهم البدوي التقليدي معتمدين على الرعي وعلى الزراعة البدائية وعلى صيد الأسماك من البحر. وقد وجد بعض رجال البدو عملاً "كأدلة" لمن يجتازون شبه الجزيرة أو لأولئك الذين يزورون جبل موسى ـ جبل سيناء. وقد حافظ آخرون على تجارة تهريب هامة من النقب والسعودية إلى مصر. تركت الحكومة المصرية البدو لحالهم، مكتفية بالعلاقة مع عدد محدود من شيوخ القبائل.في أوائل السبعينات، بدأت الحكومة الإسرائيلية بتطوير جنوب سيناء لتكون مقصداً للسياح. وبعد أن أدرك البدو أن السياح يدفعون مالاً مقابل طعامهم وخدماتهم وبضائعهم، بل حتى مقابل صورهم، بدأ البدو ببيع تلك الأشياء. يقدم خليج العقبة أكثر المناطق المرجانية عدداً وأكثرها جمالاً في العالم. وقد تعززت التطورات التي امتدت من شرم الشيخ الجنوبية إلى حتى دهب ونويبع شمالاً، ثم إلى طابا كنتيجة لوجود المياه النظيفة والشواطئ الخلابة والخلجان الرائعة و"الثقافة البدوية التقليدية". ناقش عالم الأنثروبولوجيا الإسرائيلي سمادار لافي الصدام الثقافي الأولي الذي حدث بين البدو من جنوب سيناء (من قبيلة المزيني) وبين السياح الإسرائيليين والغربيين."سرعان ما وجد المزيني أنفسهم على مفترق طرق. فقد انجذبوا إلى الأرباح الكبيرة والاستقلالية في العمل مع السياح، لكنهم اشمأزوا من سلوكهم الخسيس غير المتوقع. لم ير السياح من جانبهم أي سبب لارتداء الملابس في "البرية".. نوقش هذا الموضوع بلا نهاية في كل محادثة تمت بين الإسرائيليين الذين يعيشون في سيناء وأفراد من البدو. لكن هذه المفاوضات كانت غير مثمرة... لم يسمح القانون المصري ولا الإسرائيلي للبدو بفرض قوانينهم على غير البدو[ii].ما يزال هذا الصراع الثقافي بانتظار الحل. يعرف كل سائح قضى وقتاً ما على الساحل الشرقي لسيناء ذلك المنظر الغريب للمرأة البدوية، محجبةً بشكل كامل بثوبها الأسود الطويل، وهي تتجول لتبيع منتجات (صينية على الأغلب) لسياح عراة أو شبه عراة.لكن التغيير تمثل في السلطة المحتلة. تعتبر كلمة الاحتلال كلمة قاسية، إذ أن كثيراً من المصريين ـ وحتى البدو ـ يعترضون على استخدام هذا التعبير بالنسبة لمنطقة كانت السيادة عليها مصرية تاريخياً. على أية حال، فإن السيادة تعبير عن الدولة المركزية القوية، وطالما أن مصر استعادت سيناء من الإسرائيليين، فقد بدت ممارستها لسلطتها بشكل متزايد كأنها احتلال. (في الحقيقة، كتبت عالمة أنثروبولوجيا تدعى آن غاردنر في العام 2000 عن تجربتها الممتدة لعدة سنوات مع البدو في جنوب سيناء قائلة: "لم أقابل بدوياً واحداً يعتبر نفسه مصرياً أو يعتبر أن سيناء مصرية[iii]".). اختارت حكومة القاهرة أربعين من شيوخ القبائل ـ لكل منهم سلطة فردية محدودة ـ لتمثيل البدو للمصريين، وبدأت بتشجيع هجرة المصريين من وادي النيل وحتى من السودان إلى سيناء[iv]. بعد أن بنت مصر المناطق السياحية في جنوب سيناء، تزايد تجريد البدو من أرضهم التقليدية، وبيعها إلى المستثمرين. تسابق البدو في الثمانينات وأوائل التسعينات إلى الأراضي الساحلية وحتى الداخلية منها لضمان الحصول على عمل (لم يحتاجوا ذلك أبداً من قبل)[v]. وفي أحدث مثال على النزع الواسع للملكية، مسحت وكالة التطوير السياحي سبعة مخيمات للبدو عن وجه الأرض من أجل إقامة "الريفييرا المصرية". قبض بعض البدو تعويضات محدودة ولكنهم أجبروا على التخلي عن حقوقهم في المنطقة كلها. قال أحد البدو المجردين من الملكية لصحيفة كايرو تايمز: "لقد عشنا هناك لسنوات، من أيام أبي وجدي ـ منذ عام 1800 على الأقل. لكن المستثمرين أتوا وقالوا: اذهبوا من هنا، انتقلوا إلى أي مكان آخر".[vi]تستمر هذه السياسات حتى يومنا هذا. تضع حكومة القاهرة المصرية الحالية خططاً لتوطين 500000 مصري في سيناء بحلول 2017، وذلك بتكلفة تقديرية تبلغ 10 مليار دولار[vii]. يأتي ذلك تتويجاً للسيطرة المركزية المتزايدة على البدو الأصليين. تشرح أميرة إبراهيم الكاتبة في الأهرام الخطوات التي اتخذنها السلطات المصرية في الشهور التي تلت تفجيرات طابا:في اجتماع بين زعماء قبائل سيناء الشمالية والجنوبية والقوات الأمنية المحلية الشهر الماضي، قادت المفاوضات إلى توقيع وثيقة الأحد، وهي وثيقة عهد يستمر بموجبها شيوخ البدو بإظهار "الولاء والامتثال" بحيث يخبرون الشرطة عن المجرمين المشتبه بهم من أفراد قبيلتهم ـ الأمر الذي يتعارض مع الأصول الثقافية والأعراف الأخلاقية. فحسب القانون القبلي التقليدي، تحل كل النزاعات ضمن إطار القبيلة، لكن هذا النظام يمثل عقبة صعبة أمام عمل قوات الأمن، وهذا هو رأيها، في منع الأنشطة غير الشرعية مثل زراعة الماريجوانا وتهريبها[viii].يعيش بدو سيناء على هوامش مصر وحدودها، بالمعنى الحرفي وبالمعنى المجازي للكلمة. وفي الوقت الذي يعاني البدو فيه من تسلط الحكومة المركزية المصرية، فإنهم يبقون تجسيداً رمزياً للترحال العربي وللأعراف التقليدية. ومع أن النساء البدويات في العريش احتججن على احتجاز الحكومة لأقربائهن وعلى إساءة معاملتهم، فقد اعتبرن أنفسهنّ جزءاً من الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة الممتدة في طول مصر وعرضها. في 25 نيسان الماضي، وبينما كانت مصر تحتفل بيوم سيناء (وعودة سيناء من احتلال إسرائيل)، تظاهر المحتجون في العريش ليس من أجل إطلاق سراح أقربائهم فقط، ولكن من أجل إنهاء العمل بقانون الطوارئ أيضاً، على غرار مواطنيهم في القاهرة والإسكندرية. قد لا تكون المعارضة الموحدة دواءاً شافياً لعقود من الاحتلال، ولكنها مجرد بداية.________________[i] شاهين جيهان. الإرهاب كالأخذ بالثأر. الأهرام الأسبوعي. 5-11 أيار 2005[ii] ليفي، سمادر.سياسات الاحتلال العسكري. جامعة كاليفورنيا برس: بيركلي. 1990.[iii] غاردنر، آن. في الوطن في جنوب سيناء. الشعوب الرحل، كانون الأول 2000، V4i2.[iv] ليفي.[v] غاردنر.[vi] كايرو تايمز، الجزء 3، العدد 11، 20 نموز 1999.غاردنر، آن. في الوطن في جنوب سيناء. الشعوب الرحل، كانون الأول 2000، V4i2. بيرغاهن بوكس، Inc. 2000.[vii] إبراهيم، أميرة. حزن الصحراء. الأهرام الأسبوعي؛ 10-16 شباط 2005.[viii] إبراهيم
