بقلم د.يحيى الجمل ١٢/١١/٢٠٠٧
ما يجري في باكستان التي يحكمها الجنرال برويز مشرف حكمًا ديكتاتوريا خير دليل - إذا كان الأمر في حاجة إلي دليل - علي أن الديكتاتورية لا تأتي بخير قط. هكذا تقول حكمة التاريخ وهكذا يقول الواقع المعاصر.
ويحسن أن نشير إلي ماهية أو طبيعة النظام الديكتاتوري قبل أن نتحدث عن آثاره ونتائجه علي الشعوب التي ابتليت به. يقوم النظام الديكتاتوري علي عدة قواعد أولاها: حكم الفرد أو مجموعة محدودة من الأفراد، وعلي ضمور دولة المؤسسات، وضعف حكم القانون ورفض تداول السلطة وما يستتبع ذلك من رفض التعددية السياسية وحرية التعبير. وهكذا يبين بوضوح أن الحكم الديكتاتوري هو نقيض الحكم الديمقراطي.
وقد شاهد النصف الأول من القرن العشرين ثلاث ديكتاتوريات طاغية. النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا هذا في أوروبا، وكانت اليابان في الشرق الأقصي هي الديكتاتورية الثالثة.
وانتهت الديكتاتوريات الثلاث بعد أن أذلت شعوبها وأذاقتها الهوان وانتهت بتدمير بلادها نفسها واحتلالها بواسطة أعدائها.
والعالم الآن ينقسم بين عالم متقدم وعالم متخلف. وليس مصادفة أن غالبية الدول المتقدمة تحكم حكمًا ديمقراطيا وغالبية الدول المتخلفة تحكم حكمًا ديكتاتوريا.
وفي نهاية النصف الأول من القرن الماضي استقلت شبه الجزيرة الهندية وتحررت من قبضة الاحتلال البريطاني الذي اعتصرها خمسة قرون كاملة.
وبعد أن استقلت شبه الجزيرة الهندية بقليل أدت أوضاع كثيرة إلي تقسيمها إلي دولتين:
دولة الهند، ودولة الباكستان، واختارت الهند طريق الديمقراطية، واضطربت باكستان في اختياراتها، والمقارنة بين البلدين لا تحتاج إلي بيان.
الهند هي أكبر وأفقر ديمقراطيات العالم. الهند تعيش في ظل دولة مؤسسات حقيقية. الهند يجري فيها تداول السلطة بهدوء وبسلاسة، وفقًا لأسس النظام الديمقراطي. الهند تتمتع بسيادة حقيقية للقانون واستقلال حقيقي للقضاء.
الهند تنمو في كل مجالات المعرفة. اقتصاديات الهند الآن لا صلة لها باقتصاديات الهند منذ عشرين عامًا. الهند تصدر منتجات ببلايين الدولارات. الهند التي كان مواطنوها يموتون جوعًا تكاد تكتفي تمامًا بحاجاتها الغذائية.
كنت في الهند مرة في آخر ثمانينيات القرن الماضي، وفوجئت بخبر مفاده أن الهند - أي واللّه الهند - قررت أن تعطي الاتحاد السوفيتي - آنذاك - عدة ملايين من أطنان القمح هدية لا ترد، لكي تساعده علي تخطي بعض أزماته.
وإلي جوار ذلك كله، وقبل ذلك كله، فالهند دولة نووية. وإلي جوار امتلاكها أسرار القنبلة الذرية، فإنها تستعمل الطاقة النووية استعمالاً سلميا علي نطاق واسع.
هذه هي الهند شقيقة باكستان، واللتان كانتا تكونان كيانًا واحدًا في ظل الاستعمار البريطاني. واللتان ينتمي سكانهما إلي جنس واحد وأصول حضارية بعيدة واحدة.
الفارق بين البلدين ليس فارقًا حضاريا ولا فارقًا في الدين، فما أظن أن عبادة البقرة أكثر معقولية من عبادة الإله الواحد.
ولكن الفارق الأساسي بين البلدين هو أن الهند حكمت حكمًا ديمقراطيا مستقرًا منذ سنوات استقلالها الأولي، وأن باكستان ابتليت بالانقلابات العسكرية وبحكم العسكر وحكم الطوارئ وهي الآن تخضع لديكتاتورية عسكرية سافرة تعض علي السلطة بالنواجذ ولا تريد أن تعترف بحق الشعب في الاختيار.
وإلي جوار الابتلاء بحكم العسكر، ابتليت باكستان ببلاء آخر يتمثل في بعض الفئات المتطرفة دينيا، بكل ما يصاحب التطرف من تعصب وضيق أفق وتصور لدي المتطرفين أنهم يملكون الحقيقة وحدهم وأن كل من يخالفهم علي باطل وضلال.
هاتان النكبتان - حكم العسكر والتطرف الديني - هما اللتان أوصلتا باكستان إلي هذا الحال البائس الذي تعيش فيه الآن.
وفي غياب النظام الديمقراطي للحكم استطاع برويز مشرف أن يعبث باستقلال القضاء، بل أن يتطاول علانية علي المحكمة العليا وعلي أحكامها، ووصف أحكام القضاء بأنها أحد أسباب الفوضي والاضطراب في باكستان لأن هذه الأحكام ليست علي هواه، بل وصل الأمر بالحاكم الديكتاتور إلي عزل رئيس المحكمة العليا، وبعض قضاتها، الذين اشتركوا في الأحكام التي لم تكن علي هواه.
وتعيش باكستان فترة قلقة كلها اضطرابات ومصادمات وقتل واعتقال، وليس لذلك من سبب إلا الرغبة في الاستئثار بالسلطة والانفراد بها. ورغم أن برويز مشرف اتفق مع بي نظير بوتو قبل عودتها علي أسس معينة للاشتراك في الحكم في المرحلة القادمة، إلا أنه فيما يبدو نكص عن هذه الاتفاقات، ورفض أن يحدد موعدًا قاطعًا للانتخابات، كما رفض أن يتخلي عن قيادة الجيش، وعن زيه العسكري قبل إجراء الانتخابات.
ويبدو واضحًا حرص مشرف علي أن يخوض الانتخابات وهو قائد للجيش، وهو ذات حرص كل الحكام العسكريين علي أن تظل قبضتهم علي القوات المسلحة سندًا لهم في فرض سلطانهم علي الشعوب.
وقد أعلن مشرف عام ٢٠٠٤ أنه سيتخلي عن قيادة الجيش وسيخلع زيه العسكري، ولكنه حنث بوعده ولم يفعل، وهذا هو ما يجعل الرأي العام لا يثق في كلامه أو وعوده، لأنه جرب أنه لا عهد له وأن حرصه علي السلطة، يسبق حرصه علي أن يكون صادقًا مع نفسه ومع شعب باكستان.
ويلفت النظر موقف الإدارة الأمريكية من برويز مشرف.
في الظاهر تقول الإدارة الأمريكية إنها غير راضية عن إعلان حالة الطوارئ، وعن تأجيل الانتخابات، وإنها تدعو مشرف إلي التخلي عن زيه العسكري وعن قيادة الجيش - هذا ما تقوله الإدارة الأمريكية في الظاهر ولكن هذه الإدارة نفسها تقول في الكونجرس علي لسان مسؤوليها: «إن برويز مشرف حليف لا يمكن الاستغناء عنه».
وهكذا تفعل الإدارة الأمريكية وهي تضلل الشعوب وتوهمها أنها تدعو إلي الديمقراطية والحكم الرشيد، وهي لا تريد إلا عملاء ينفذون إرادتها ويحاربون ما تسميه الإرهاب، وهي مصدر الإرهاب الأول بسياستها الرعناء في العالم كله.
كل استطلاعات الرأي تقول إن سمعة الولايات المتحدة لم تصل إلي الحضيض الذي وصلت إليه الآن إلا نتيجة تصرفات بوش وإدارته.
وهذه الإدارة الآن تساند برويز مشرف لكي يقهر شعبه بدعوي أنه يساعدها علي محاربة الإرهاب في أفغانستان.
ليت أمريكا ترفع وصايتها عن العالم وتتركه لشعوبه.
وليت برويز مشرف يقتدي بجارته الهند ويترك أمور باكستان لشعب باكستان.
إنه بذلك سيحسن صنعًا لنفسه وتاريخه وبلده.
وليت كل الحكام الديكتاتوريين في العالم يتعظون من حكمة الماضي والحاضر: إن الديكتاتورية لا تأتي بخير قط.
(*)نقلا عن المصري اليوم
