المعتقلون اللبنانيون في السجون السورية...الى متى؟!

raniasanjar - جمع, 2007-11-23 19:44 By raniasanjar

أمام مبنى الأسكوا في بيروت، و في حديقة جبران خليل جبران، تكمن نُصب أعيننا خيمةً ليست كباقي الخيم. عمرها سنتان، أفرادها أهالي مطلبهم الرئيسي " معرفة مصير أبنائهم". أبناءٌ معتقلون في السجون السورية منذ سنواتٍ عدة، تحت تهمةٍ واحدة " ليسوا من مؤيدي النظام السوري". لعل حضرة " القادة " و " المسؤولين " تجاهلوها أو تناسيوها كما فعلوا مسبقًا حين كانوا تحت الوصاية السورية، فضلاً عن تعاونهم مع هذا النظام و اعتقالهم لأبناء وطنهم، و من ثم تسليمهم لللاستخبارات السورية آنذاك في عنجر. و لا نزال نذكر يوم استعرض غازي كنعان وجوه بعض المعتقلين اللبنانيين قبل نقلهم الى السجون السورية و توجه اليهم بخطب سياسي قائلا "ان كلّ من يتعرض لسوريا بكلمة في لبنان سنسلخ جلده. سنسلخ جلودكم وسننقلكم الآن فوراً الى سوريا حيث ستخبروننا بما لديكم، وانصحكم بأن تطلعونا على كل شيء وتختصروا عذاباتكم والا فانكم لن تعودوا ابداً الى اهلكم في لبنان". لكننا نطمئن النظام السوري و القادة اللبنانيين أن الحق لا بد أن ينتصر على الباطل، فدمعة الأمهات و أوجاعهنّ أقوى من التواطؤ و الكذب اللذان أصبحا في يومنا هذا من " زوادة " الزعماء.

أكثر من 640 معتقل في سوريا

حسب افادات الأهل، هناك ما يفوق 640 معتقل في السجون السورية، من رجال، نساء، و أطفال، من مختلف الطوائف و الانتماءات السياسية، هذا ما أطلعنا عليه غازي عاد، مسؤول دعم المعتقلين و المنفيين اللبنانيينsolide. هؤلاء اما خُطفوا مباشرة على أيدي القوات السرية، أو غير مباشرة على أيدي لبنانيين، يسلمونهم فيما بعد لللاستخبارات السورية. كل من كان ضد سوريا كانت الوسيلة اللجوء الى اسكات هذا الصوت المعارض، و هذه تهمة المعتقلين. النتيجة التي نود الوصول اليها، معرفة مصير المعتقلين. و في حالة الوفاة، فليسلمونا الجثة اذ لا وفاة دون رفاة في الشرع. و عند تسليمنا الجثة نتأكد من هوية الشخص من خلال فحص DNA.

مصريان معتقلان.. دون ذنبٍ أو جرم

لم يطل الاعتقال في لبنان من قبل الاستخبارات السورية اللبنانيين فقط، بل كان للمصريين حصتهم أيضا. بقلق يروي لنا محمود ابراهيم خالد، مصري الأصل لكن مجنس لبناني، عن اعتقال شقيقه حمادة ابراهيم خالد و قريبه سعيد عبد الحميد أبو العينين، من قبل الاستخبارات السورية. " هو شابٌ ككل الشباب، طموح و يهدف الى تكوين نفسه بنفسه ". هكذا وصف محمود أخاه الذي لم يره لعدة سنوات، فالارادة و العزم للبحث عن مصير حمادة دفعاه الى ترك عائلته في مصر و المجيء الى لبنان. و ها هو اليوم فردٌ من بين المئات الذين اجتمعوا تحت كلمة واحدة " وينن؟! ". كان يُفترض بحمادة القدوم من سوريا الى لبنان بهدف متابعة دراسته في جامعة بيروت العربية، بعد أن كان في النمسا بدافع العمل. حين كان لا يزال في سوريا أرسل لأخيه محمود، الذي كان في لبنان، كي يرسل له الافادة الجامعية التي تمكنه الحصول على تأشيرة دخول لبنان. أقام حمادة في هذا الوقت في فندق " الزهراء " في سوريا مع زميله في الجامعة طراف صبحي عودة، الذي اتضح فيما بعد أنه ابن مالك الفندق. بعد أن أرسل محمود الأوراق التي طلبها أخوه، لم بيقَ سوى انتظار عودة الشقيق، لكنّ هذا لم يحدث. اذ اتضح أن أخيه قبضت عليه مخابرات الجيش السوري ضمن من قبضت عليهم آنذاك، نظرا للاضطرابات في العلاقات الدولية بين سوريا و لبنان. هكذا كان حمادة من بين المعتقلين دون ذنبٍ أو جرم. بعد عدة محاولات لم تفضِ بنتيجة بذلها محمود للاطمئنان على شقيقه، تعّرف على جندي سوري في بحمدون يُدعى علي كامل علي، حيث طلب هذا الجندي مبلغ و قدره 2000 دولار أميركي مقابل المساعدة في البحث عن حمادة.لم يكن بوسع محمود الا أن يوافق، لكن الجندي بعدها أبلغ محمود أن أخيه توفي. و انطلاقا من الشرع الذي يقول لا وفاة دون رُفاة، طلب محمود الجثة، غير أن الحندي لم يوافق. أما بالنسبة لسعيد  فتهمته أنه كان مقيم في منطقة " برج حمود "، التي كان تُعرف بالشرقية حينها، ما يعني أنه عايش المسيحيين، أي أنه تعامل مع الاسرائليين. هذه هي التهمة التي أطلقتها القوات الاسرائلية " عميل اسرائيلي" مفترضةُ نفسها سيدة القانون اللبناني كي تحاسب المواطنين. هكذا تبقى قصة هذان الشابان معلقة، كحال معظم المعتقلين في السجون السورية، و يبقى محمود منتظرًا مصير الأخ و القريب، فالزمان لن يحدّ من عزيمته و عاجلا أم آجلا لا بد أن ينتصر الحقّ.

" حزب الله خطف ولدي "

" لستُ يهودية، بل شيعية مثلهم تماما "، تقول فاطمة زيات، أو أم غسان كما اعتاد الجميع مناداتها، بنبرة تعترضها الدموع و الألم. غسان و فادي فخر الدين عبدو ولدا فاطمة اللذين لم يتعدى عمرهما العشرين عاما. " في العام 1984، جاء مصطفي الديراني برفقة  شخصان، عماد مغنية و مصطفى شحادة، طالبا فادي و  غسان، الذي كان يعمل في المطار، بهدف التحقيق معه لنصف ساعة فقط التي أصبحت مع مرور الأيام اثنا و عشرين سنة. عند العاشرة من صباح اليوم التالي، أخذني مصطفى شحادة لرؤية ولداي في سجن " فتح الله"، بالقرب من منطقة البسطة. جاؤوا هؤلاء الرجال بغسان عند منتصف الليل، و لا أزال أذكر حتى اليوم حين دخل ليستحم و كتب لي على المرآة أن أنقذه ممن يسجنوه. بعد حوالى الساعة جاؤوا بفادي الذي طلب صورتين له لأنهم يريدون أخذه الى ايران. توجهتُ الى عبدالهادي حمادة (أحد عناصر "حزبالله") قائلة " أنا لم أنجب أولادي كي يكونوا تحت رحمتكم و تعذيبكم. لم آتي بهم الى هذه الدنيا كي تأخذوهم مني. فما كان رده الا أن ينهال عليّ  بالشتائم. أخذ مصطفى الديراني يتهرب مني بحجة أنه سلم فادي و غسان الى صبحي طفيلي، فالقضية خرجت عن سيطرته. طلبتُ مرارا من السيد حسن نصرالله أن يطلق سراح ولداي لأنه يعرف مكانهما من خلال الديراني، لكن مع الأسف دون جدوى. أريد معرفة مصيرهما، و ان كانا أموات، أنا أمّ و هذا حقي. ليس عدلا أن يحرماني منهما، بينما هم يتمتعون بترية أولادهم. " حرام الشيعي يظلم شيعي." لم و لن أتعب في البحث عن ولداي، جلّ ما أريد معرفة مصيرهما. كما يطالبون باستعادة المعتقلين في السجون الاسرائلية، من حقي أيضا استعادتهم. ما أندم عليه اليوم عدم احتفاظي بالتصاريح التي كان السيد حسن نصرالله يعيطيني اياها لزيارة ابناي في سجن " فتح الله"، اذ لم أتوقع أن يطول الانتظار اثنا عشر عاما. أنا سلمت أمري الله كما فعلت  مع مصطفى الديراني الذي هددني بمسدده عدة مرات. تعبت كثيرا و قلبي امتلأ بالحقد على هؤلاء الخاطفين، و مع هذا أنا لا أخشاهم. أريد من هذه الدولة أن تنظر الى الأمهات اللواتي غلب عليهن الحزن و اكتست وجوههن بالأسى. نحن  سنبقى هنا مهما طالت الأيام و لن نتراجع عن حقنا!! " انها حكاية بعض الأهالي الى جانب المئات منهم. " وينن.. بدي ولادي.. هيدا حقي.."، عبارة تلازم الشفاه، فترى القلب يدمع و الأيدي تحضن صور الأبناء. أمهات، آباء، و أقارب،  ينزفون جرحا واحد، و يحملون مطلبا أوحد ألا و هو " معرفة مصير أبنائهم."  كما وجهتم دعوة الى السياسيين، نعود لنكررها اليوم كي يعيدوا النظر في هذه " الجريمة ضد الانسانية "، و أملا أن تحل قضية " المعتقلون اللبنانيون في السجون السورية " مكان حساباتهم السياسية و مصالحهم الشخصية.

كتبت رانيا سنجر  

 

 

 

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد