مصطفى إسماعيل - عن الاجتياح التركي برعايات مختلفة والعراق المريض

annaqed - سبت, 2008-03-01 02:00 By annaqed

جريمة دولية عظمى يقترفها الجيش التركي بغزوه لأراضي دولة أخرى, بهدف معلن محوره قص أجنحة حزب العمال الكردستاني, وأهداف كثيرة أخرى يلفها الغموض الذي يبعث على التكهنات, ذلك إذا ما علمنا أن التواجد الفعلي لحزب العمال الكردستاني هو بداخل الحدود التركية, وهي جريمة دولية عظمى لأنها إخلال بميثاق الأمم المتحدة قبل كل شيء.
ولا شك أنه لا يزال من السابق لأوانه التكهن بالمدى الذي نجحت فيه الهجمات الجوية التركية والتحرك البري في تحقيق أهداف تركيا, لا سيما على مستوى الغرض الاستراتيجي الذي كان مرسوماً لها, والمتمثل في إضعاف القدرات العسكرية لحزب العمال وتقويضه, فالحديث يجري عن إطلاق يد المؤسسة العسكرية التركية في كردستان العراق لمدة سنة, وهو أمر يؤكده " د. باهوز أردال " قائد قوات حماية الشعب HPG ( الجناح العسكري لحزب العمال ) أيضاً في لقاءيه الأخيرين مع إذاعة صوت ميزوبوتاميا ووكالة أنباء فرات.

لا شيء في الأفق يردع الجيش التركي عن الاستمرار في عملياته العسكرية في كردستان العراق, فثمة تنسيق مع واشنطن وبغداد وتل أبيب وعواصم أخرى تشاطر أنقرة هواها في اجتثاث الورقة الكردية, فالاجتياح التركي تم بجواز مرور أمريكي, وسد آذان أوروبي, وتمثيلية عراقية سقفها الشجب والاستنكار ولا تتعدى إلى عرض المسألة على مجلس الأمن, وقبل كل ذلك تم الاجتياح وإطلاق يد العسكر التركي بناء على اتفاق سياسي – عسكري تركي, فمما لاشك فيه أن العملية العسكرية التركية في كردستان العراق وللمرة الخامسة والعشرين كانت هدية / رشوة مقدمة من حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم, بمقابل تمرير التعديل الدستوري القاضي برفع الحظر عن الحجاب في الجامعات, وتزامن الأمران في اليوم نفسه, ولا حاجة إلى سوق المزيد من الأدلة, كل ذلك فيما تشهد الضفة الكردية من الأزمة تشرذماً وعجزاً عن الاجتماع وعن بلورة الحد الأدنى من التصور المشترك لمواجهة الحاضر والمستقبل معاً.

هذه الرعاية الدولية الكبرى المغدقة على جنرالات أنقرة خطيرة من مناح كثيرة, فماذا إذا تعدى الجيش التركي مهمته إلى اقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كأن توقع ضحايا في صفوف المدنيين الكورد في إقليم كردستان العراق وتدمر قراهم الآمنة وتبدد مواردهم المعيشية, الأمر الذي حدث بنتيجة قصف الطيران التركي قبل فترة وجيزة, وماذا إذا استوطن الجيش التركي هناك إلى إشعار غير معلوم, وماذا إذا ما أقام الجيش التركي حزاماً أمنياً ناسفاً لحق السيادة العراقي على طول الحدود مع العراق بداخل إقليم كردستان العراق, وماذا إذا أعادت تركيا إحياء ماضيها وأطماعها في الموصل وأعادت تطبيق " مودرس " حرفياً, حيث تدخل الموصل في حدود الدولة التركية ولا تبقى خارجها, ألن تصبح هذه الرعاية الدولية لتركيا بأشكالها المتعددة صك براءة لتركيا حينها, ما دام فتح الحدود مع كردستان العراق وتالياً الغزو العسكري تم بمفاتيح دولية, والتصريحات الدولية العديدة في هذا الصدد تلمح إلى أن التدخل التركي في كردستان العراق هو " تورط إيجابي ".

حرارة المواجهة بين تركيا والعمال الكردستاني ترتفع رويداً.. رويداً, تشهد بذلك الأرقام التي يطلقها الطرفان, فيما تستمر الدول المسندة لتركيا في بياناتها وتصريحاتها الخجولة التي تشي بتواطؤها المسبق والحالي, وفي مقدمها دولة العراق الجديد الذي تحول إلى رقعة شطرنج لمصالح ونفوذ وتوغلات كل دول المنطقة, وتبدو الحكومة العراقية بتعاملها مع الغزو التركي الحالي مثل ( الأطرش بالزفة ), ولا تملك من وسيلة غير إصدار البيانات والتصريحات المقتضبة ( كتر خيرها ), وكأن الغزو التركي يقع على دولة أخرى بعيدة, ونذكر بهذه المناسبة ساسة العراق النائمين في المنطقة الخضراء, أن بياناتهم عن تسلل حفنة من إرهابيي القاعدة أكثر بكثير من بياناتهم عن توغل أكثر من / 10 / آلاف جندي تركي في شماله, ألا يهدد هذا الغزو التركي الأمن القومي العراقي مثلاً أم أصبح الأمن القومي العراقي منحصراً في المنطقة الخضراء ؟.

أليس مؤسفاً ومدعاة للسخرية والتهكم أن ينكر بيان الحكومة العراقية الأول في اليوم الأول من الغزو علمه بدخول الجيش التركي إلى شماله, ما مبرر وجود حكومة لا تعلم شيئاً ولا تملك معلومات عن حدودها, وتدرك هذه الحكومة المهترئة خطورة الأمر في اليوم السادس على الغزو فقط ( يوم 26 فراير ) لتطالب بانسحاب فوري للجيش التركي من شمال البلاد, ولكن ماذا إذا لم تعر أنقرة أذناً صاغية لنداء الحكومة العراقية وغنت على ليلاها, أفلا تعلم الحكومة العراقية أن مسألة إنهاء حرب ما تكون معقدة تماماً مثل البدء بها إن لم تك أعقد من ذلك ؟.

نقدر للحكومة العراقية جهلها وتخبطها, فنحن نعلم أن الولايات المتحدة هي الضامن الوحيد والأساس للأمن والاستقرار في العراق, ومهمة الحكومة العراقية الوحيدة هي تصريف الأعمال وإصدار البيانات المبتسرة ليس إلا.

كشف الاجتياح التركي أيضاً عورات الكثيرين من الذين يتشدقون ليل نهار عن وحدة أراضي العراق واستقراره, سيما المنزعجون من فيدراليته, ونتذكر من الأشهر القريبة الماضية هجومهم الرسمي والإعلامي الكاسح على " جوزيف بايدن " وتأويلاتهم المنطلقة من أس عقدة المؤامرة, لأن الرجل أصدر من الكونغرس قراراً غير ملزم يتعلق بفدرلة العراق, وفدرلة البلاد أمر توافق عليه العراقيون حتى قبل سقوط صنم الطاغية في ساحة الفردوس, فإذا كان لديهم أدنى حرص على العراق ووحدة ترابه الوطني فلماذا يدسون الرؤوس في الرمال بينما ألوف مؤلفة من العسكر التركي تعيث رصاصاً وفساداً في شمال العراق ما أدى إلى نزوح سكان ثمانين قرية في كردستان بينها قرى آشورية تلقت حصتها من البارود التركي.

تبدو الأمور واضحة ولا لبس فيها ولا تحتاج إلى تأويلات وتفاسير, فالرامون إلى عرقلة تنفيذ المادة / 140 / من الدستور العراقي حول تطبيع الأوضاع في كركوك ومناطق كردية أخرى خارج حدود إقليم كردستان وجدوا ضالتهم في الغزو التركي, وهم يراهنون الآن في الخفاء على دور تركي معرقل لتطبيق المادة المذكورة وخلط الأوراق في شمال العراق, ودول الجوار ( جوار العراق طبعاً ) التي مللنا من بياناتها وتصريحاتها عن حرص على وحدة العراق وما شابه لماذا تحولت إلى دول من ماركة " أهل كهف " ولا تصدر حتى بياناً تنديدياً خجولاً يضع النقاط على الحروف ويستنكر الاجتياح التركي, وهي الدول التي اتخذت من شغور كرسي الرئاسة في لبنان قضية عربية كبرى, ألا يستحق شغور ثمانين قرية في كرستان العراق ذلك الجزء من العراق العضو في جامعة الدول العربية التفاتة أو بياناً, أم أن مبدأ " عدو عدوي صديقي " هو المتسيد الآن, فتركيا – على ما يبدو - تشن على الكرد ومناطقهم في شمال العراق حرب استئصال بالوكالة.

أمام هذه الجريمة الدولية العظمى التي يقترفها الجيش التركي, بتوغله في أراضي دولة عضو في الأمم المتحدة, كان مبدأ " أضعف الأيمان " يرتب على الحكومة العراقية عرض القضية على مجلس الأمن, ما دام لا قبل لها بمقارعة الجيش التركي, ولكن يبدو أن وراء الأكمة ما وراءها.

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد