التقارير الأميركية : إزدواج المعايير والصدقية الزائفة

 

الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الأعظم في عالم اليوم وبالرغم من المنافسة الشديدة من التنين الصينى والإتحاد الأوربي إلا أن الولايات المتحدة تظل القوة الأكثر تأثيرا علي مجري ومسارات السياسية الدولية ، والأكثر فعالية في كل المؤسسات الدولية سواء علي المستوي الإقتصادي أو السياسي أو الإجتماعي والثقافي . الولايات المتحدة  وريثة الأمبراطوريات الإستعمارية الكبري ، الدولة الوحيدة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية أقوي من كل الأطراف التي كانت متورطة في الحرب ، الأمر الذي أتاح لها القدرة علي صياغة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بتوازناته المعقدة علي مقاس قواها ورغباتها وتحالفاتها وكذلك بما يخدم مصالح حلفاءها . وإنخرطت الولايات المتحدة كوريثة للقوى الإستعمارية القديمة – التي نصبت نفسها زعيمة للعالم الرأسمالي الذي وصف بالحر - في حرب تشكيل العالم ، تارة مع المعسكر الشرقي أو الكتلة الإشتراكية ، وتارة مع حركات التحرر الوطني في الدول التي إستقلت حديثا بعد الحرب الثانية ، والتي حاول بعضها الخروج من أسر التبعية للعالم الرأسمالي الإستعماري – الذي ورثت شروطه الولايات المتحدة – لبناء أسواق قومية بديلة ومستقلة تستطيع من خلالها حماية صناعاتها الوليدة وبالتالي تقليل إعتمادها علي الغرب بشكل جذري . حددت الولايات المتحدة أصدقائها وحلفاءها حسب معايير تبنيهم لنهجها وإنتهاج سياسات السوق الحرة والعداء للكتلة الإشتراكية وقوي التحرر الوطني ، وساندتهم بشدة وغضت النظر ، أو بالأحري لم تهتم أو تزعج بنفسها – بديكتاتورية وإجرام عدد كبير من حلفاءها طالما كانت مصالح الولايات المتحدة والغرب والعالم الرأسمالي تستدعي تلك الوحشية والإجرام ( وقد شهد العالم في تلك الفترة العديد من المذابح والتصفيات والإغتيالات لأحزاب وقادة سياسيين وجماعات لم تفعل شيئا سوي أنها تبنت مفاهيم للتغيير وتنمية مجتمعاتها متناقضة مع المفاهيم الأمريكية ، منها علي سبيل المثال تصفية الحزب الشيوعي الأندونيسي في إنقلاب تسبب في مصرع نصف مليون مواطن أندونيسي ، وكذلك ما حدث للشعب الفيتنامي الذي قرر الحصول علي حريته بالشكل الذي يريده فدفع إلي حرب جنونية كلفته 2 مليون قتيل غير الجرحي والمشوهون والمقعدون ) ولم تكن الولايات المتحدة في ذلك الوقت تبدي أي إهتمام بمعايير حقوق الإنسان والتي كانت متوارية تماما . وكأي قوة إستعمارية إستعملت الولايات المتحدة كل الأسلحة المباحة والغير مباحة لتأكيد سيطرتها علي العالم ، من اجهزة المخابرات والإغتيالات وتمويل الإنقلابات ، وإستئجار المرتزقة لتنفيذ أعمال قذرة ، وغيرها من الأليات التي كان الهدف منها توطيد سيطرة حلفاءها وإرهاب خصومهم ، وكما يوضح مستشار الأمن الأمريكي السابق زبجينو بريجنسكي كان الشرق الأوسط واسيا وأقريقيا قطعة الشطرنج الكبرى التي تخوض الولايات المتحدة حربها عليها تارة مع أعداء حقيقيين وتارة متخيلين .

ومع إنهيار الإتحاد السوفيتي – جارا معه الكتلة الإشتراكية بأكملها – دخل التطور السياسي للعالم في منعطف جديد حيث إختفى عدو رئيسي مهدد لهوية المشروع الرأسمالي ، وتوارت معه طرق في ممارسة العمل السياسي منها علي سبيل المثال إحتمالات إستخدام القوة العسكرية والنووية ، برزت مصطلحات سياسية جديدة ورثت المصطلحات السياسية التي وسمت مرحلة الحرب الباردة منها مصطلحات مثل المجتمع الدولي ، النظام العالمي الجديد ، إحترام الخصوصيات والدفاع عن حقوق الأقليات ، معاداة السامية ولكن يبقى أكثرها صدى وشهرة وإستعمالا هو مصطلح " حقوق الإنسان" ، . وبالرغم من الجهود الضخمة من منظمات عالمية كبرى لتكريس المفهوم في صيغة تحترم حقوق الأفراد والشعوب إلا أن الولايات المتحدة بدأت في إستخدامه كسلاح بديل لما كانت تستخدمه أثناء الحرب الباردة ومن خلال ذلك أدانت كل القوي السياسية التي خالفت تصورها أيضا لعالم ما بعد الحرب الباردة وبدلا - في حالات متعددة - من الضغوط العسكرية والإجبار القسري مارست ضغطها عن طريق معوناتها ، وعن طريق الإتهام الجاهز بعدم إحترام وتطبيق معايير حقوق الإنسان ، وهو الأمر الذي يتيح لها تطبيق ما تراه من عقوبات . وكالعادة كان حلفاء الولايات المتحدة في عالم مابعد الحرب الباردة في مأمن من الأتهام بإنتهاك معايير حقوق الإنسان أو معاداة السامية وغيرها من التهم التي تعد في مطبخ السياسة الأميركية ، بالرغم من الإنتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان التي يمارسها حلفاء الولايات المتحدة ، بل وتمارسها الولايات المتحدة بنفسها طوال تاريخها . وسلطت التهمة علي كل الأنظمة الغير موالية والمتمردة .

وأصل هنا إلي ما أرغب في قوله عقب هذه المقدمة الطويلة ، فالإدارة الأميركية صاحبة أكبر جرائم ضد حقوق الإنسان ( حرب فيتنام – حرب العراق ) تصدر سنويا من خلال وزارة خارجيتها تقرير سنوي يرصد حالة حقوق الإنسان حول العالم ، وكذلك تقرير يرصد حالة العداء للسامية ، وقد صدر هذان التقريران خلال هذا الأسبوع المنصرم . وكالعادة أيضا أدانت الولايات المتحدة حالة حقوق الإنسان في معظم الدول التي تراها تخرج علي النهج وأيضا لدي بعض حلفاءها مثل مصر ( وهي بالفعل حالة متدهورة لدى هذه الدول التي لاتحترم أبسط حقوق الإنسان ) ، وجاء الرد من منظمة العفو الدولية التي أشارت إلي أن الولايات المتحدة تمارس إنتهاك حقوق الإنسان بشكل دائم ويتمثل ذلك في السجون السرية المنتشرة بطول العالم والتي تديرها السي إي إيه ، وكذلك إختطاف المشتبه بهم ونقلهم لدول حليفة للولايات المتحدة لتعذيبهم ( الأردن – مصر ). وذلك في رأيى إشارة إلي أنه لايجوز توزيع تهمة إنتهاك حقوق اإنسان من دولة هي المنتهك الأكبر لحقوق الإنسان علي الصعيد المعاصر . هذا التقرير أثار إستياء وأنتقادات دولية واسعة ، فمن جانبها ردت الصين بتقرير يفضح سجل إنتهاكات الولايات المتحدة لحقوق الإنسان ، كما وصفت روسيا التقرير بأنه منحاز ومزدوج المعايير .

وأيضا إستخدمت الولايات المتحدة تقريرها السنوي حول معاداة السامية حول العالم ( الأكثر إنحيازا ) في دعم حليفتها الحميمة والمقربة إسرائيل ، ويأتي التقرير في أعقاب المذابح التي ترتكبها حليفتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ، وهي المذابح التي أثارت غضب الرأي العام العالمي ، ماعدا الإدارة الأمريكية التي رات في المذابح دفاع شرعي عن النفس . وجاء بالتقرير الفاضح ( أن اليهود يتعرضون لشكل جديد من أشكال معاداة السامية يتمثل في الكره لإسرائيل بطرق مختلفة ، وإتهم التقرير جميع دول العالم تقريبا بكراهية إسرائيل ومعاداة السامية ، وحدد التقرير منطقة الشرق الأوسط ووسائل الإعلام المصرية والسعودية بممارسة العداء للسامية ، ولم تسلم الأمم المتحدة من إنتقادات واشنطن فأشار التقرير إلي أن مختلف منظمات غالبا ما تطالب بالتحقيق حول إنتهاكات لحقوق الإنسان يفترض إلي أن إسرائيل إرتكبتها ، وأن الإعلان عن هذه الإنتهاكات يتم بشكل مأساوي وهو ما يمثل في رأي الخارجية الأمريكية شكلا من أشكال معاداة السامية وعاملا من عوامل تعاظم الكره لدولة إسرائيل ، في نفس الوقت الذي – كما يشير التقرير – لا تبدي فيه الأمم المتحدة إهتماما مماثلا لأنظمة ترتكب إنتهاكات خطير لحقوق الإنسان . وإتهم التقرير عددا من القادة السياسيين بتأجيج معاداة السامية وكره إسرائيل منهم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ، والفنزويلي هوجو تشافيز والحكومة السورية .

ما تفعله الولايات المتحدة من خلال إتباع سياسة إصدار مثل هذه التقارير هو دعم حلفاءها وخلق حالة من التشوش والإرتباك بين الناشطين وفي أوساط المنظمات الدولية فيما يتعلق بحلفاء الولايات المتحدة . في حين تكون علي الجانب الأخر – بالرغم فعلا من إنتهاكات تمارس لحقوق الإنسان – وسيلة تهديدية وعقابية أو تمهيدا لتطبيق عقوبات ما على دول ليست علي وفاق مع التصور الأمريكي لمفاهيم مثل : حقوق الأنسان ، والإرهاب ، والمقاومة .

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد