مصر .. شهداء " طوابير العيش " يتساقطون

sphinx - سبت, 2008-03-22 14:03 By sphinx
 
معاناة كل يوم تبدأ مع الفجر
 كارم يحيى
فيما تحصد المجازر الاسرائيلية على الحدود صفوفا  "طوابير" بلا نهاية من الاشقاء الفلسطينين في قطاع غزة ، يعيش مصريون معاناة يومية في مطاردة رغيف الخبز و بخاصة امام مخابز " العيش البلدي " المدعم ،وعلى امتداد البلد من الاسكندرية حتى أسوان . و الجديد في هكذا معاناة ان " طوابير العيش "بات لها شهداء يزهق أرواحهم الفقر والتزاحم طلبا للخبز رخيص الثمن.<!--break-->
التضييق الذي يتزايد حول منافذ بيع رغيف الخبز الشعبي "البلدي المدعم" مع توجه الدولة الى التخلص من الاعباء المتزايدة لدعم الخبز تسبب في استفحال " الطوابير " وزيادة المعاناة بين طابور وآخر .  ومنذ اشهر معدودة رصد مراقبون تبكير الفقراء و الموظفين محدودي الدخل الذهاب الى " طوابير العيش " مع صلاة الفجر . و أخيرا سقط شهيد في احدي هذه الطوابير و عند الفجر .
الشهيد يدعى " عبد الحميد فهمي شاهين " ويبلغ من العمر 62 عاما ويعمل ماسح أحذية . وموقعة الشهادة كان امام مخبز قريته " أوليل " بمحافظة الدقهلية بدلتا نهر النيل . وقد اعتاد الشهيد الوقوف في صف انتظار الخبز المضنى فجرا مرتين بعدما كي يحصل على ما يكفى اسرة تتكون من 12 مواطنا ، وبعدما قرر صاحب المخبز تحديد البيع في المرة الواحدة بجنية واحد ( عشرون رغيفا ) . و في نوبة الوقوف الثانية سقط " شاهين "  مغشيا عليه و جرى نقله على الاثر للمستشفي ، لكنه كان قد فارق الحياة ،و من دون ان يحصل على كفاية اسرته من الخبز . و استحق الرجل إعلاميا و من دون منازع لقب "شهيد العيش " . و تقول اسرته انه كان يرفض ان يرسل بزوجته او احد ابنائه الى "طابور الفجر " اشفاقا عليهم .
و أمس الأول ( السبت )  سقط شهيدان آخران لـ " طوابير العيش " في ضاحية حلوان جنوبي القاهرة . ولكنهما راحا ضحية تبادل لاطلاق نار على خلفية مشاجرة بين عائلتين حول اسبقية الوقوف في " الطابور " أمام مخبز " إبن البلد " .و الى جانب الشهديدين الجديدين سقط تسعة من المصابين في معركة " الطابور " ذاتها . وكان غير مراقب قد لفت الى الاحتقان الاجتماعي والضغوط النفسية المتولدة في هكذا " طوابير " تشعر المواطنين باهدار الكرامة و الوقت كي يظفروا بنصيب من خبز لا يليق ولايكفى  .
رغيف الخبز " البلدي " في مصر يحافظ على سعره المتواضع الذي بات خارج زمن الغلاء ، إلا ان حجمه في تناقص و نوعيته الى مزيد من السوء . و لكنه يظل الخيار الوحيد امام الفقراء والموظفين محدودي الدخل . و للاعتبارات السابقة فان طالبي هكذا أرغفة مضطرون لمطاردة المزيد منها في رحلة شقاء يومية  اسكاتا لبطون خاوية . و في كل ذلك ما يخلق المزيد من المشاكل والاحتكاكات ويضاعف من مرات الانتظار في طوابير المعاناة . وتسعي سلطة الدولة لاعادة تنظيم اتجار المخابز في الخبز و تشدد من رقابتها عبثا . لكن المزيد من التدخل يسفر احيانا عن نزاعات و احتكاكات . وكان آخرها في احدي قرى المنوفية حين حددت السلطات نظاما يحدد اقصى كمية تحصل عليها الأسرة الواحدة في اليوم. و تسبب هكذا نظام سعى ايضا للفصل بين الانتاج والتوزيع الى صدامات بين قوات الأمن و الأهالي بعدما جرى استدعاء القوات لتفريق متظاهرين محتجين امام احد المخابز في قرية " كفر ميت سراج " .
 سلطات الأمن تشن ايضا حملات مكثفة على المخابز خشية الاتجار في الدقيق المدعم بالسوق السوداء . وعادة ما يقع عبء الاجراءات العقابية كاغلاق المخابز او التقليل من كمية الدقيق المخصص لها على رقاب و بطون طالبي الخبز . ومصر تستورد هذا العام نحو ستة ملايين طن قمح من الخارج لرغيف الخبز . لكن نقيب الزراعيين " الدكتور / عبد السلام جمعة " يحذر من ان المستوردين يجلبون القمح الأسوأ طلبا لمزيد من المكاسب . والضحية في النهاية هو المستهلك الذي بات يقضى جانبا من العمر في " طوابير العيش " . وقد اصبح الآن لهكذا طوابير شهداء يتساقطون .  


نشر في الوقت 3 مارس 2008

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد