لطفي حيدوري
استبعدت السلطات التونسية ما أكّده تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي عن اختطاف سائحين نمساويين في الصحراء التونسية يوم 22 فيفري 2008. وذكر البيان الرسمي تاريخ دخول السائحين إلى تونس وتاريخ اختفائهما وتحدثت عن إجراء عمليات بحث وتمشيط برا وجوّا.
وكان قد صدر يوم 6 مارس بيان عن الخارجية النمساوية تحدث عن حالة الاختفاء.أمّا في تونس فلم يعلم الرأي العام بأي شيء عن هذه الحادثة إلاّ عبر المدعو "أبو محمد" الناطق الإعلامي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي على شاشة الجزيرة.
ويمكن أن نفهم من بيان السلطات التونسية أنّها منذ أن عدمت أثر السائحين وتقديرها أنّهما تاها إلى الصحراء الجزائرية وارتاحت من عبئهما وتخلّصت من السؤال عن مصيرهما. وهو سياق الدعاية المألوفة "تونس أرض الأمان" والمشاكل عند الأجوار. ورغم ذلك كان يمكن إنارة الرأي العام وطمأنته بأنّ السائحين عبرا إلى الجزائر ويواجهان مصيرهما هناك. والراجح أنّها ليست على يقين من موقفها فتحصّنت بالتعتيم.يبقى أنّ الأيام القادمة كفيلة بكشف ملابسات ما حدث خاصة إذا أطلق سراح السائحين ونقلا ما جرى.
وبالعودة إلى بعض الأحداث المشابهة نجد سياسة الحجب والتضليل هي منهج العمل الرسمي خاصة في أحداث ما عرف بمجموعة سليمان وتفجير الغريبة والهجوم على المركز الحدودي بحزوة.
مجموعة سليمان
تحدث بلاغ رسمي في 24 ديسمبر 2006 عن اشتباك مع عصابة خطيرة متكوّنة من مطلوبين أمنيّين، ثم ظهر وزير الداخلية فقد قدّم جرعة من المعلومات عن الأحداث في 10 جانفي 2007 ولم يفد بها مواطنيه بل قيادات حزبه.
وفي تصريح رئيس الدولة لصحيفة "لوفيغارو" تحدث عن نيّة المجموعة استهداف سفارات، والرواية لا أثر لها في لائحة الاتهام.وزادت المحاكمة الأولى للشبان الذين أوقفوا خلال أحداث حمام الأنف وجبال قرمبالية ومدينة سليمان في ديسمبر 2006 في غموض الأحداث. فالمحكمة اكتفت بصفحات كتبتها وزارة الداخلية ولم يسمح حتى للمتورطين في تلك المطاردة بشرح الوقائع وتقديم شهادات حيّة تفيد دفاعهم وتنير المحكمة وتكشف للرأي العام حقيقة الحدث الذي شغل البلاد وطوته وزارة الداخلية. وناب عن المصدر الأوّل صحافيّون ورسميّون وانظمّ إليهم حتى رئيس الدولة فلا نعرف إلى اليوم من يملك الحقيقة. فحتى المتّهمون أنفسهم جلّهم أوقف على هامش الأحداث. وحتى الفرصة التي سمحت للمتهمين في جلسات الاستئناف لم تمكن من استكمال قصة هذه المجموعة التي قتل فاعلوها الحقيقيون.
الهجوم على المركز الحدودي سنة 1995
وقع الهجوم بولاية توزر جنوب البلاد في شهر رمضان سنة 1995، وقال البلاغ الرسمي إنّ دورية لحرس الحدود كانت تؤدي عملا روتينيا لما انقلبت بها السيارة النظامية وهوت في أحد الأودية. وحقيقة ما جرى أنّ مجموعة إسلامية جزائرية مسلحة هاجمت مركزا أمنيا حدوديا ساعة الإفطار وأصابت عددا منهم بين قتيل وجريح واستولت على السلاح.
حادثة جربة يوم 11 أفريل 2002
أودى هذا الهجوم بحياة 17 شخصا معظمهم سياح ألمان. وقد نقل الخبر الرسمي الصادر عن وكالة تونس إفريقيا للأنباء "أنّ شاحنة مجهزة بصهريج للغاز اصطدمت بالرصيف ثم بالسياج الخارجي لمعبد الغريبة. وقد أدى هذا الاصطدام إلى انفجار الشاحنة مما أودى بحياة السائق وأربعة أشخاص من بينهم عون أمن وإصابة قرابة عشرين آخرين من بين المارة بمكان الحادث بحروق متفاوتة الخطورة." كما صدر في اليوم الموالي بلاغ باسم الطائفة اليهودية في تونس يشير إلى أنّ "الانفجار ناجم عن حادث" وأنّه "ليس هناك ما يبرر الإشاعات التي لا أساس لها من الصحة ونأسف لمحاولات التضليل غير المبررة والتوظيف السياسي لهذا الحادث من قبل بعض الأطراف".
ويوم 14 أفريل قال وزير الداخلية الألماني إنّ انفجار الشاحنة كان هجوما مدبرا وليس حادثا عابرا. وأنّ المعلومات التي حصلت عليها الحكومتان الألمانية والتونسية تشير إلى أن الانفجار الذي وقع في جزيرة جربة كان مخططا له. وأضاف شيلي أن الانفجار يبدو هجوما "إرهابيا". وذلك ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية. وتواصل التعتيم داخليا حتى يوم 22 أفريل 2002 حتى تعترف السلطات التونسية بأنّ الانفجار "كان نتيجة عملية إجرامية مدبّرة".
تحطم الطائرة العسكرية
ذهب هذا الحادث بحياة 13 من أهمّ قيادات الجيش الوطني على رأسهم أمير اللواء عبد العزيز سكيك رئيس أركان جيش البر واثنان برتبة عميد وثلاثة برتبة عقيد وأربعة برتبة رائد.وصرّح السيد الدالي الجازي وزير الدفاع الوطني الأسبق يوم 1 ماي 2002 بما يلي : " واطلعت سيادة الرئيس على الإجراءات التي وقع اتخاذها اثر هذا الحادث ومنها بعث لجنة تحقيق في ما حدث لهذه الطائرة من خلل تسبب في سقوطها. وسيساهم في أعمال هذه اللجنة فنيون من الولايات المتحدة الأمريكية باعتبار الطائرة من صنع أمريكي".هذا التصريح كان غريبا فهو يتحدث عن بعث لجنة تحقيق ثم يستبق النتيجة فيقول إنّ هناك خللا تسبب في سقوطها. ثم يعرض التقرير يوم 15 أفريل 2002 ويستفاد منه "أنّ سقوط الطائرة ناجم عن عطب فني على مستوى المروحة الأساسية للطائرة. وأثبتت لجنة البحث أن هذا الحادث الأليم لا يعود إلى خطا بشري ولا إلى خطا في مستوى الصيانة أو لظروف الملاحة الجوية". وهي نتيجة أغرب من تصريح الوزير إذ يفهم من كلامه أنّ الحادث قضاء وقدر !
هل للتعتيم وجاهةفي جميع هذه الحالات سعى التعتيم إلى التلاعب بالرأي العام ومنع الوصول إلى الحقيقة. وإذا كان من الوجاهة أن تمارس الدولة التضليل في حربها العسكرية مع العدو، فمع غياب العدو الحربي نرى أن ليس من عدوّ للدولة في الحالات المذكورة غير الرأي العام. فهذه معركة وجيهة للاستبداد !
ومن المفيد الإشارة هنا إلى أنّ الحقائق موجودة ولكن تحتكرها الدولة ولنقل بعض أجهزتها. وفي هذا السياق تندرج بعض ملاحظات القاضي الابتدائي في محاكمة مجموعة سليمان فيما اعتبره المحامون ملفا موازيا يستنطق به المتهمون، و أنّ الإدانة تأسست على قرائن غير موجودة في الملف الذي وضع في المتناول.
وإذا كان الأمر كذلك في ملفات خطيرة فالمؤسف أنّ نفس التعامل جرى مع أحداث عادية كالفيضانات والحرائق والإضرابات... وأنّ صحفا كثيرة عندنا تقبل بأن تكون مثالا لغياب الحرية والاستقلالية والموضوعية بل أداة للتضليل وتخليا عن دورها في تشكيل الرأي العام.
