في الأردن : التعذيب بالوكالة

     كانت ضربات الحادي عشر من سبتمبر 2001 حدثا استثنائيا في التاريخ العالمي ، ومن سمات الحدث الاستثنائي أنه يتسبب في تغييرات لم تكن متوقعة ، ويكون الأحداث بعد وقوعه في اتجاه مختلف – ومن الممكن أن يكون متناقضا – للاتجاه الذي كانت تسلكه . ضربات الحادي عشر من سبتمبر فعلت ذلك بامتياز ، غيرت علاقات دول وجماعات ، أصبح العرب والمسلمين في وضع لا يحسدوا في الغرب ، وأصبح الغرب – ذو الخيال المعبأ بحكايات أسطورية مضللة عن العرب والمسلمين – يعاملهم كمشبوهين ، وأصبحت حياتهم هناك في غاية الصعوبة ، وأنغلق باب للرزق أمام ملايين من الشباب العربي والمسلم كانت الهجرة للغرب بالنسبة لهم الحل السحري لحكاية كريمة لا يجدونها في بلادهم .

     وتأتي هذه التغييرات علي المستوي الاجتماعي أما علي المستوي السياسي فقد تسببت هذه الضربات في إشعال الحرب العبثية الجنونية التي تخوضها الولايات المتحدة بمساعدة بعض حلفاءها ضد دول وجماعات اعتبرتهم مكمن ومنبت الإرهاب . بدأت الحرب بأفغانستان ، ولم تنتهي عند العراق ، وتسببت في قتل مئات الألوف وتشريد الملايين ، ولم تكن الحرب فقط هي ما لجأت إليه الولايات المتحدة بل كذلك الكثير من عمليات القبض العشوائي علي أي مشتبه في ضلوعه أو صلته بأي مجموعة أو تنظيم تدينه الولايات المتحدة بالإرهاب ، ولكي تتفادى الولايات المتحدة اعتقال هؤلاء علي أراضيها ، فقد أسست في خرق فاضح للقانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان " معتقل جوانتنامو " ونقلت إليه كل من تم إلقاء القبض عليه في هذه الحملة التعسفية ، في ظل شروط إنسانية مهينة وعمليات تعذيب مروعة هدفها انتزاع أي اعترافات تفيد الولايات المتحدة في حربها ضد ما تسميه الإرهاب . ونتيجة للضغوط الدولية وانتقادات منظمات حقوق الإنسان لما يجري في جوانتنامو لجأت الولايات المتحدة للاستعانة بخبرات حلفاءها من أصحاب الخبرات المميزة في عمليات التعذيب خاصة من حكام الشرق الأوسط المقيمين في سدة الحكم منذ عدة عقود ، وأصحاب الخبرة والباع الطويل في التعذيب ، والمحصنين ضد الإنتقادات الدولية أيا كانت الجهة المنتقدة .

         ومن الدول التي كان لها دور بارز في ذلك مصر ، وتبدو قضية أبو عمر المصري الذي تم اختطافه من إيطاليا وإحضاره لمصر حيث مورس ضده تعذيب وحشي هي القضية الأشهر ، أو التي طفت علي سطح الأحداث وتم الكشف عنها ، وبالتأكيد هناك الكثير من الحالات الشبيهة التي لم يتم الكشف عنها . الدولة الاخري التي استعانت بها الولايات المتحدة في هذه المهمة القذرة هي الأردن ، وهو ما كشفت عنه مدونة " شئون أردنية "  تحت عنوان التعذيب في الأردن لحساب المخابرات المركزية ، حيث قامت بعرض للتقرير الصادر عن المنظمة الحقوقية هيومان رايتس ووتش بعنوان " شقاءٌ مزدوج: عمليات الترحيل الاستثنائي إلى الأردن من قبل وكالة الاستخبارات المركزية  " الصادر في شهر أبريل الماضي  حيث وثق التقرير الذي عرضت له المدونة كيف عملت المخابرات الأردنية كسجان ومحقق للمخابرات المركزية الأميركية خلال الفترة من 2001 حتى 2004 ، وأكد التقرير أنه لا توجد دولة تلقت نفس العدد من المعتقلين الذين تلقتهم الأردن . وقد صرحت جوان مارينر، مديرة برنامج الإرهاب ومكافحة الإرهاب في هيومن رايتس ووتش: " قمنا بتوثيق أكثر من 12 حالة تم فيها إرسال أشخاص إلى الأردن لتعذيبهم". وبناء على معلومات مباشرة، في أغلبها، وردت من محتجزين أردنيين سابقين كانوا محتجزين مع مشتبهين إرهابيين غير أردنيين، يصف التقرير ثماني حالات للترحيل الاستثنائي لم تكن معروفة من قبل. وتشمل الحالات الجديدة إبراهيم "أبو معاذ" الجداوي، الذي تم الاستناد إلى أقواله كدليل في مراجعة إجراءات العمل في خليج غوانتانامو من قبل الحكومة الأميركية، وخير الدين الجزائري، الذي تم ذكر أنشطته المزعومة في قضية شهيرة تم فيها مقاضاة إرهابيين في فرنسا. وعلى حد علم هيومن رايتس ووتش، لم يتم توجيه اتهامات جنائية لأي منهم. كما أقتبس التقرير من مذكرة مكتوبة بخط اليد وردت من أحد السجناء المُرحلين، وهو علي الحاج الشرقاوي، وقام بكتابتها أثناء احتجازه في الأردن أواخر عام 2002. وجاء في المذكرة التي أمهرها الشرقاوي ببصمة إصبعه، أن محققي دائرة المخابرات العامة قاموا بضربه "بطريقة تتجاوز كل الحدود". وجاء في المذكرة أيضاً: "هددوني بالكهرباء والثعابين والكلاب... [وقالوا] سنجعلك ترى الموت... وهددوني باللواط". ويبدو أن دائرة المخابرات العامة درجت على استخدام التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية استخداماً منهجياً بحق المحتجزين الذين تم ترحيلهم استثنائياً من الاستخبارات المركزية الأميركية إلى الأردن. وأحد أساليب التعذيب المتكررة هي الفلكة، وتتمثل في ضرب السجناء لفترات مطولة على أخمص القدمين. وقال سجين أردني سابق لـ هيومن رايتس ووتش: "تعرض كل من هم رهن احتجاز دائرة المخابرات العامة تقريباً للضرب بالعصي". وأضاف: "تعرض النزلاء للضرب على أقدامهم. وكانوا يقومون بهذه العملية في القبو". وفي اجتماع مع هيومن رايتس ووتش في عمان أواخر أغسطس/آب 2007، أنكر مسؤول رفيع المستوى في دائرة المخابرات العامة أن الدائرة تحتجز سجناء مُرحلين إليها من الولايات المتحدة. كما أنكروا ممارسة التعذيب رهن احتجاز دائرة المخابرات العامة. وقالت هيومن رايتس ووتش "إلا أنه نظراً لثقل مصداقية الأدلة التي تُظهر خلاف ذلك، يُعد إنكارهم غير مقنع". وليس من المعروف على وجه التحديد عدد الأشخاص الذين قامت الولايات المتحدة بترحيلهم ترحيلاً استثنائياً إلى الخارج. وزعم مدير الاستخبارات المركزية مايكل هايدن في 7 سبتمبر/أيلول 2007 في خطاب له أمام مجلس العلاقات الخارجية بأن أقل من 100 شخص قد تم ترحيلهم إلى دول أخرى منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وحسب قوله فهو: "عدد متوسط ومن رقمين".

     يبدو أن الأردن لم تخذل حليفتها الكبرى ، وأثبتت امتلاكها لقدرات استثنائية في ممارسة التعذيب وانتزاع الاعترافات ، وأثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنها في سبيل كسب ثقة الولايات المتحدة ، لا تقيم أي اعتبار ، و لا تعير أي اهتمام لقيم ومعايير حقوق الإنسان واتفاقيات مناهضة التعذيب .

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد