إضراب الرابع من مايو

غدا الرابع من مايو ، هو تاريخ عادي لمعظم الشعوب مثله مثل أي يوم أخر من أيام العام ، ولكنه يحمل مضمونا أخر للشعب المصري فهو تاريخ عيد ميلاد الرئيس المصري مجمد حسني مبارك الذي يحكم البلاد منذ ما يزيد عن ربع قرن ، بلغ الثمانين من العمر ولا يبدو أي مؤشرات للتغيير تلوح في الأفق ، لا يوجد نائب للرئيس حتى الآن، لا يوجد تصور لمستقبل الدولة المصرية ، ما يوجد هو أزمة معيشية خانقة وقانون طوارئ ومؤسسات أمنية باطشة .

ولذا قرر الناشطون المصريون الذين دعوا سابقا لإضراب السادس من إبريل الماضي أن يحتفلوا بميلاد الرئيس بإضراب آخر شبيه بإضراب السادس من إبريل ، وذلك استغلالا لما يعتقدون أنه نجاح نسبي للإضراب السابق بدا واضحا من حالة الذعر التي اجتاحت النظام الحاكم ما أدي إلي ممارسته لحالة من القمع الجنوني ضد مدينة المحلة معقل إضراب عمال غزل المحلة ، وضد ناشطين سياسيين ، وضد ناشطي الفيس بوك الذين كانوا قد دعوا لإضراب عام تضامنا مع عمال غزل المحلة . وكذلك للتأكيد علي احتجاجهم علي الظروف المعيشية السيئة التي دفعت الأحداث في السادس من إبريل .

الملامح العامة لما مستهدف أن يحدث يوم 4 مايو تشي بأن الناشطين السياسيين وناشطين الفيس بوك قد وعوا درس السادس من إبريل ، حيث قرروا عدم التظاهر في الشارع منعا لإعطاء الفرصة للأمن لممارسة قمع عبثي مرة آخري . وتراوحت الطرق المطروحة للتعامل مع الإضراب هذه المرة . فعلي سبيل المثال أوردت مدونة "مراقب مصري " دعوة من شباب مصر الداعي إلى الإضراب العام يوم الأحد 4 مايو 2008 احتجاجاً على تردي أوضاع البلاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعد 27 عاماً من حكم الرئيس مبارك لجميع أبناء شعبنا لصلاة وطنية يوم الإضراب يتم فيها الدعاء والابتهال إلى ربنا الواحد أن يرفع عنا العذاب وينجينا من شر الفساد والظلم. وقد حدد الداعين للإضراب سبل المشاركة بالتوجه إلى الأماكن المحددة لأداء صلاتي الظهر والعصر أو قداس الأحد، و،دون أي تظاهر أو هتاف أو تجمهر ، علي أن يتوجه الجميع إلى الله في صلاتهم معاً ليمدهم بالإيمان والقوة لتحرير بلادنا من القهر والفقر والسلبية، ويساعدنا لفرض إرادة الشعب على الفاسدين والمستبدين. وقد حدد الداعين عدة جوامع وكنائس ليتم فيها ذلك . البعض الأخر ومنهم علي سبيل المثال مدونة " يالالاللي " للمدون أحمد عبد الفتاح طالب من خلالها ببقاء المواطنين في منازلهم وعدم الذهاب لأعمالهم ومشاهدة قنوات الموسيقى والأفلام ومقاطعة نشرات الأخبار ، وعدم الإستجابة للضغوط التي من الممكن أن تمارس ضد المواطنين لدفعهم للذهاب للعمل . والبعض الأخر طالب بكتابة كلمة لا لمبارك علي أوراق النقد التي يتم تداولها في ذلك اليوم . طرق كثيرة للاحتجاج طرحها الداعون لإضراب 4 مايو تاركين لمن يشارك حرية اختيار الطريقة التي تناسبه.

ولكن يبقي أن إضراب 4 مايو يأتي مختلفا نوعا ما عن إضراب 6 إبريل حيث حظي بمناقشة واسعة لتقييم مدي نجاح إضراب 6 إبريل وتأثير السلوك الأمني المذعور علي ما سوف يحدث في 4 مايو ، فقد رأت " مدونة العدالة للجميع " أن هناك قدر كبير من البنية التحتية المختلة التي لا يصلح معها الشو الاعلامي وفقط ، فهذا من وجهة نظر المدونة لن يخلق شئ جديد مع الاعتراف من الكاتب /ة بأن وجهة النظر المطروحة قد تكون خاطئة ، وفي توضيح وجهة النظر أوضحت المدونة أن الإنترنت وسيلة جيدة ومغرية ولكن توازنات الدولة والتي يصر الكل تقريبا علي تجاهلها هي التوازنات التي تجعل مصر ما هي عليه الآن بل وهي التوازنات التي سمحت أساسا بشئ من الحرية ومنح المواطنين نوع من القدرة علي التمرد مستخدمين الانترنت كأداة لرفع الصوت وإحداث بعض الجلبة وربما شئ من التأثير الضعيف هنا أو هناك هي نفسها التوازنات التي لا يعرف أحد حتى ألان كيفية التعامل معها ، فالدولة تستطيع إغلاق الجرائد الورقية وحجب مواقع الإنترنت فورا ولكنها لا تفعل لأسباب كثيرة من وجهة نظر المدونة منها إن القوي التي تحكم مصر في حالة حركة ضد بعضها أو مع بعضها حسب الملفات وكل ملف يتم التفاوض عليه بين هذه القوي بينما نحن نتفرج جميعا علي النتاج وهو الذي أصبح يسمح بمساحة من الحرية يسمونها " حرية ما بين الشقوق " وهي المساحات الفارغة التي تنجم عن صدع بين قوتين كبيريتين فتململ الطبقات التي بينها تاركة فراغات تسمح بمثل هذه الحرية والتي اعتبرها حتي الان شكلية وغير حقيقية ، فهي حرية صوتية وستظل هكذا لفترة طويلة جدا لو استمر الذين يرغبون في التغيير في انتهاج اشكال تغييريه ذات طبيعة تحريضية وفقط ، وفي هذا السياق لا تري أن إضراب 6 إبريل  لم ينجح  نجاحا ملفتا للنظر فالعديد ممن  جلسوا في منازلهم لم يكونوا من مؤيدي الإضراب بقدر خوفهم من الفوضى و العنف الأمني . البعض الأخر رأي في حالة الرعب التي اجتاحت الحكومة نجاحا ولو جزئيا للإضراب السابق .

وهو نقاش بالطبع في تقديري صحي للغاية ومفيد لاكتشاف ما تم ارتكابه من أخطاء في 6 إبريل ، وقد امتد النقاش ليطول يوم 4 مايو وتراوحت الآراء مرة آخري ، فالمدون حسام الحملاوي في مدونته " عرباوي " أعلن عدم دعمه لفكرة عمل إضراب في الرابع من مايو موضحا ذلك بأن المدونين أصبحوا غارقين في واقع افتراضي خلقه نشطاء الفيس بوك مع دعوة أعضاء حزب العمل المجمد مؤكدا أن علي المدونين أن يضعوا قدم في الواقع وقدم في الإنترنت لا القدمين في الإنترنت . علي العكس من ذلك رأي المدون مينا ذكري في مدونته " مراقب مصري " أن الإضراب نجح قبل أن يبدأ بدليل قيام الرئيس بتقديم موعد خطابه في عيد العمال والذي كان مقررا له تاريخ 5 مايو ليصبح 30 / 4 ليزف فيه للشعب المصري بشري رفع العلاوة الاجتماعية من 15% إلي 30% وذلك اعتقادا من النظام أن هذه الخطوة ستلعب دورا في تخفيف حدة التوتر الاجتماعي قبل خطوة الإضراب . وأكد مينا أن هذه الخطوة ليست منحة من الحكومة ولكنها نتاج النضالات التي قامت بها فئات وطبقات الشعب المصري في العامين الأخيرين .

ومن الدروس التي أستوعبها الداعين ليوم 4/5 هو محاولة تحديد الهدف من الإضراب منعا للالتباس والتشتت وهذا بالضبط ما فعلته مدونة " جبهة التهييس الشعبية " حيث أوردت مطالب محددة للإضراب تراوحت بين مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية . و من الملفت للنظر أن الحالة الاحتجاجية التي تجتاح مصر بدأت في الانتقال إلي خارج مصر حيث حظي إضراب 4 مايو بدعم من الأردن التي قرر بعض الناشطين بها الإضراب في نفس اليوم مع مصر ومن لبنان حيث دعا بعض الناشطين تحت عنوان "عاش كفاح عمال مصر ولبنان " إلي إضراب احتجاجي يوم 6 مايو علي هامش الإضراب المصري وتضامنا معه .

ومن جانبها قررت عديد من القوي السياسية المصرية المشاركة في إضراب 4 مايو أبرزها الأخوان المسلمين الذين أعلنوا المشاركة عبر تأييدهم لفكرة البقاء بالمنزل وكذلك حركة كفاية حيث أصدرت الحركة بيانا أعلنت فيه تأييدها لتنظيم أشكال احتجاجية متنوعة في يوم 4 مايو المقبل وجددت عزمها المشاركة في حملة عصيان مدني سلمي متصاعدة بهدف الإنهاء الشعبي لحكم الديكتاتور و عائلته و عزمها على مواصلة التشاور مع أطراف ائتلاف 6 أبريل و مع كافة القوى الوطنية و الاجتماعية المعارضة جذريا لبناء ائتلاف جامع للتغيير يعتصم بحبل المقاطعة لحكم الفساد و الاستبداد و يدعم صور العصيان و المقاومة المدنية السلمية ْ. وكذلك كما ذكرت مدونة Egyptian chronicles فان حزب الغد ، وحزب حركة الكرامة وحزب الجبهة الديمقراطية سيشاركون في فعاليات يوم 4 مايو .

ومن جانبه بدأ النظام الحاكم بمواجهة الاستعدادات ليوم 4 مايو بحملة صحفية في كل صحف النظام والصحف الموالية لها علي الإنترنت وما وصفته بالعالم الأسود ، وخصت بقدر كبير من الهجوم موقع الفيس بوك ، ونموذج لذلك الهجوم كان التحقيق الذي أجرته جريدة الأهرام يوم الجمعة 2/5 والذي أوردته علي موقعها مدونة " جبهة التهييس الشعبية " وكذلك التقرير الذي نشرته المصري اليوم بتاريخ 3/5 والذي جاء " أن صحيفة «لوس انجلوس تيمز» الأمريكية نشرت منذ عدة أيام تقريرًا عن استخدام إسرائيل لموقع التعارف الشهير «فيس بوك» كقاعدة بيانات مهمة لجمع المزيد من المعلومات عن الشارع المصري بشكل خاص والعربي بشكل عام، حيث أوضح التقرير مدي الاهتمام الإسرائيلي بجمع المعلومات المتاحة عن اهتمامات الشباب المصري مهما كانت تبدو للبعض «تافهة»، خاصة بعد أحداث 6، 7 أبريل الماضية. وكشف تقرير الصحيفة الأمريكية المنقول - كما تدعي المصري اليوم - عن صحيفة «لوماجازين ديسراييل» اليهودية الفرنسية، عن أبحاث تجري حاليا لقياس مدي تأثير الحملات التي يطلقها مشاركون بالموقع علي الشارع المصري، علي اعتبار أن المصريين يشكلون الغالبية العظمي من العرب المشاركين بالموقع. وأشارت الجريدة إلي قول رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو أنه يستمتع بمتابعة دردشة الشباب العربي علي مواقع الشات ما يعكس له توجهات الشارع العربي . وهو التقرير الذي إعتبرته مدونة " أخر الحارة " تقرير مفبرك وخطير .

إشتعلت الحرب بين النظام المصري ومستخدمي الإنترنت وخاصة موقع الفيس بوك إلي الحد الذي دفع مدونة Egyptian chronicles إلي اعتباره العدو الأول للدولة المصرية الآن ، مثلما هي مشتعلة بينه وبين معظم فئات وطبقات الشعب المصري ( عمال – أطباء مدرسين – قضاة – مهندسين ) وغيرهم ، ولا يبدو في الأفق أن لدي النظام المصري ما يعالج به هذا الوضع سوي مزيد من القبضة الأمنية وممارسة البلطجة ، ومزيد من محاولات التشويه والتشهير بالمعارضين وتلويثهم مثلما تجري محاولات تشويه وتلويث مستخدمي الفيس بوك ..

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد