مرة أخرى تطلعنا الصحف المحلية على أخبار تكتنز من الغموض والإستفهام ما يبعث على الرجة التي تدمي البواطن. هو كغيره من الاخبار يمر ايضا مرور الكرام؛ دون جدل او تسآؤلات، كما لو انه بيع نزيه في بورصة او ما شابه ذلك. الخبر معنون بـ "إقرار التملك الحر لغير المواطنين في مشاريع رأس الخيمة العقارية"، و مفاده "السماح بالملكية المطلقة للعقار من دون قيود زمنية محددة ولا يقتصر على مدة معينة لسريان الملكية" كما جاء في الخبر المنشور في الصحف المحلية بتاريخ 3 نوفمبر 2005 وقد صدر عن ولي عهد و نائب حاكم رأس الخيمة.<!--break-->
ولأن الخبر لا يتطرق الى الكثير من التفاصيل، فانه اول ما يدعو الى التسآؤلات والريبة؛ حيث يكمن الشيطآن في التفأصيل كما يقال. فما فحوى هذا التمليك الحر؟ و الى أي مدى يذهب هذا التمليك اللانهائي في إختراقه حظوة الزمن؟ وهل ينطوي ذلك على تمليك الارض كجزء من ذلك العرض السخي (فيما لو كانت الوحدة المبنية قائمة مباشرة على الارض)؟ وهل تم تحديد أي إستثنآءات لبعض الجنسيات؟ أم سيأتي اليوم الذي نرى فيه بعض المدن (على غرار مدينة المنانغروف) متملكة بالكامل وبشكل حر من قبل بعض الرأسماليين الغربيين أو حتى الإسرائليين؟ وهل يمكن ان نرى في يوم من الايام بعض من الارثوديكس اليهود بقبعاتهم السود وخصلاتهم الحلزونية المتدلية من تحتها، نراهم، يتجولون في شوارع إمارة راس الخيمة ويجلسون بالقرب منّا في مركز المنار مثلا؟ ربما يرى البعض انني قد ذهبت بعيدا في إسترسالي، ولكن، ولنعد سنوات الى الوراء؛ عندما أصاب وباء التكسب من بيع التاشيرات شريحة كبيرة من ابناء المجتمع، خاصة المتنفذين منهم، هل لم يكن من الوارد آنذاك ان مجتمع ودولة الإمارات سيصاب بنكسة سكانية يمكن أن تؤدي في إستشراءاتها القصوى الى تشكيل معضلة يمكن ان تهدد امن و إستقرار البلد؟! كان كل ذلك مرئي من الجانب المنطقي للمعادلة، إلا أن ذلك لم يمنع الوباء المرتقب من الإستفحال! أفلا يهدد إتخاذ قرارات من ذلك النوع أمن وسيادة دول؛ خاصة الدول العربية، واكثر تحيدا، الخليجية منها، حيث انها لم تجرب ان ترزح تحت وطأة الضعوط الدولية و مجابهة اللوبيات المتنفذة في العالم (أذ ما إستثنينا من ذلك تجربة وقف ضخ النفط في ال 1974). ليس من الصعب على الأغلبية المتابعة للمشهد السياسي العالمي إستيعاب حذافير اللعبة السياسية؛ فما الذي يضمن لنا ان السحر لن ينقلب على الساحر كما حدث لنا في التركيبة السكانية؟ ولما هو من المستبعد أن تستغل ورقة كهذه (التمليك الحر) في إعطاء "القادمين الجدد" او المتملكين الاحرار نفوذ وصلاحيات اكبر مما نراه ونعلله في الآونة الراهنة على انه "مشروع إستثماري"! تلك الاوراق لا تستغل بالطبع متى كانت الاوضاع السياسية مع القوى الكبرى في العالم تسير على ما تشتهي إراداتهم و إداراتهم، لكنها، بالطبع ستكون كسارة البندق التي تطقطق أوصآلنا متى سآءت العلاقات؛ أولم يكشف احد موظفي ال CIA المستقيلين مخططا أمريكيا بفرض وصاية دولية على منابع النفط في الشرق الاوسط بإعتباره منبع مهم من منابع الطاقة البشرية ولا يتوجب على دول بعينها التنفذ به والتحكم بأسعاره عالميا لما لذلك من أثر سلبي في التنمية العالمية! ربما ما يثنيهم في هذه الآونة من تنفيذ ذلك المخطط هو حقيقة سيطرتهم على تلك المنابع بشكل غير مباشر(هذا على اقل تقدير) ومن ثم علاقاتهم "الوطيدة" مع دول المنطقة، ولكن علينا ألا نتمادى وان نراهن على أستمرارية هذه العلاقة دونما اي إعتبارات لتقلبات الزمن؛ ذلك الذي نهبه دون قيود محدده، فقد انقلب علينا في السابق وجعلنا في حيرة من أمرنا في طرق التعامل الخلل المزري في التركيبة السكانية. كما يتوجب علينا أيضا عدم إغفال بعض التقارير الخارجية التي تتحدث عن سوء معاملة بعض الجنسيات العاملة في الدولة، والتي قد تستغل من قبل منظمات حقوقية ودولية عندما ينفرط عقد المحبة اوعندما تقتضي الضرورة ذلك. ثم لآحظوا أننا لم نتطرق لسؤال لمن الاحقية اولا، وقبل كل شيء في إتخاذ قرار مصيري وسيادي بهذه الدرجة، وعن مدى تماشى هكذا قرار مع السياسة العليا للدولة، وكيف سيسهم قرار كهذا في تثبيت أمن وإستقرار الدولة، فيما نتردد في منح فئة البدون جنسية الدولة، لدواع، بعضها امني؟! ومن باب الشيء بالشيء يذكر، فإننا نورد هنا تصنيف الإمارات في المرتبة الثانية من بين الدول العربية الاقل فسادا، وقد جاءت في المرتبة ال 30 (بعد عمان). ربما يرى البعض أن هذا الخبر ليس بالسيء جدا، إلا ان شيطان التفاصيل، يخبرنا بما لا يخبر به الخبر المجرد، حيث ان منظمة الشفافية الدولية لمحاربة الفساد، تبني تقويماتها و تصنيفآتها على أنواع الفساد المتعارف عليها دوليا كالـ "رشى" و العمولات وما الى ذلك، ولكنها تواجه مشكلة فساد أخرى في النظم العربية لم تصنف من ضمن القائمة، وما زالت المنظمة كما يبدو محتارة في امرها، الا وهي، تنفّذ حكام الدول العربية على مجمل مقتنيات الوطن من أراض و نفط و جبال وبحار وما الى هنالك، وعندما يتم توزيعها او إستغلالها لاي هدف كان، فتنظر القوانين المحلية اليها كما لو انها هبة من ملكية خاصة يحق لصاحبها التصرف بها كيفما شاء! الحديث عن الفساد يطول وربما تكون لنا معه وقفة أخرى، لكن المهم هنا هو هذا المغزى الذي ينفلت في تفآصيل قرارات من هذا النوع تبلغ من الاهمية ما يبلغة القلق الذي يصاحب المرء عندما يتوجب عليه أن يفاضل بين أمرين ، يكون اكثرها جاذبية ذلك الذي ربما تؤدي احدى دهاليزه الى بيع وطن. كيف لنا أن نتعامل مع معضلاتنا الكثيرة ياترى، والتي نراها تتفاقم يوما بعد يوم والى أي مصب ياترى ستقذف بنا. ستبقى هذه التساؤلات مثارا لقلقنا الشخصي على الاقل الى ان تتوافر لها أجوبة تبعث على غير ذلك.
كاتب المقال: "جيفارا غاندي"
نشر في موقع مجان المغلق في نوفمبر 2005
