مقال للدكتور باسم الطويسي - صحيفة الغد - 15/6/2008
يعقد مؤتمر الحائزين على جائزة نوبل في مدينة البتراء للمرة الرابعة. وبعيدا عن المضامين السياسية لهذا الحدث فهو يشكل تقديرا عالميا لهذا المكان العظيم من قبل نخبة من أهم علماء ومفكري وأدباء العالم الحاصلين على أرفع تقدير؛ حيث يتوالى اعتراف العالم بهذه المدينة ومنحها التكريم والتقدير، وبعد مرور عام على اختيارها الأعجوبة الثانية ضمن عجائب الدنيا في المسابقة الشهيرة، لم يتغير ساكنا ولم تحل مشكلة واحدة من "43" مشكلة وتحديا مزمنا في البتراء تم رصدها عشية المسابقة العالمية العام الماضي؛ فما تزال حيرتنا الوطنية بهذا المورد التراثي العظيم تراكم الأخطاء وتصر إصرارا عجيبا على استمرار تدهور الأحوال كلما ازداد العالم اعترافا بهذا الموقع وتقديرا له.
البتراء اليوم تشكل تحديا وطنيا حقيقيا في إدارة الموارد النادرة فبعد كل هذا التراكم في الإصرار على تجاهل قيمة البتراء المعنوية والاقتصادية باعتبارها موردا وطنيا كبيرا، فإننا أمام خيارين إما إحداث ثورة حقيقية في إدارة هذا الموقع وطريقة تقديمه للعالم وفي وسائل استدامته والمحافظة عليه، أو التكرم بطمر هذه المدينة بالتراب لعله يأتي جيل يكتشف قيمتها ويعرف كيف يحميها وينتفع بها، وبهذه الطريقة نحن لا نمارس السوء كله، بل ما سنفعله وفق الخيار الأخير هو آخر الفضائل التي يمكن ان نعملها وفق القاعدة التي يرددها حماة الآثار النادرة في العالم، فإذا عجزت عن حماية موقع أثري مهم والانتفاع به بما يوازي قيمته فأفضل طريقة أن تدع الطبيعة تحميه اطمره بالتراب.
منذ شهر تشرين الأول الماضي أخذت البتراء تشهد ازدهارا سياحيا غير مسبوق بفعل تأثير الترويج العالمي الذي نالته خلال المسابقة العالمية لعجائب الدنيا الجديدة والنتيجة المتقدمة التي حققتها هذه المدينة، على الرغم من تواضع الجهود الرسمية أثناء المسابقة، حيث ازداد الطلب العالمي ووصل معدل زوارها اليومي نحو أربعة آلاف زائر، ومع ازدياد جاذبية البتراء وزيادة الطلب السياحي لها بهذه الأعداد مع استمرار الأوضاع التقليدية الراهنة في البنى التحتية وفي إدارة الموقع وفي ضعف المؤسسات القائمة هناك وإرباكها، وضعف الموارد البشرية القائمة عليها، تتحول هذه النعمة السياحية الى نقمة على المدى البعيد.تحدي البتراء اليوم ليس محصورا في مسؤوليات وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة وحدهما، بل ربما يتوفر لدى قيادات هذه المؤسسات اليوم إدراك لهذا التحدي أفضل من قبل؛ فالمسألة تحتاج الى مسؤولية تضامنية تتعامل مع حالة طوارئ بالمفهوم الحقيقي للكلمة؛ ففي ضوء الظروف الاقتصادية وتزايد حجم تحديات الموارد تبقى السياحة بوابة واعدة لمعالجة الكثير من آثار تراجع قطاعات أخرى، فلقد تعاملت أربع حكومات سابقة بخفة مع البتراء، ولم تمنحها الحد الأدنى من الجدية ولعل أبسط الأمثلة على ذلك قصة مركز زوار البتراء المرصود له منذ أكثر من خمس سنوات ضمن المشروع السياحي الثاني، وبقي يُرحل من حكومة الى أخرى، ثم قصة قصر المؤتمرات.
فمن المخجل أن مدينة تجذب كل يوم أربعة آلاف زائر وتتطلع إليها مئات المؤسسات الثقافية والأكاديمية لا توجد فيها قاعة تتسع لمائة شخص، ومؤتمر الحائزين على جائزة نوبل الذي تبنى له خيمة كل عام منذ أربعة أعوام أمام أحد الفنادق هو الدليل الواضح على حجم التقصير في الاستجابة لهذا التحدي.يحمل اسم البتراء هوية جاذبة لجلب أكبر التجمعات والمؤتمرات والفعاليات العالمية في مختلف المجالات لنمط من سياحة النخبة وليس السياحة الجماهيرية، فلقد صنعت هذه المدينة بفعل ما تتميز به من فرادة وفن معماري رائع وتكوين طبيعي نادر وتاريخ عريق هوية حضارية، أصبحت تكون صورة ذهنية جاذبة لجميع هواة السفر والترحال والسياحة والاكتشاف في العالم، وربما الصورة ليست جديدة ولم تتكامل بعد، بل لعل ما أنجزته المدينة في زمنها الأول أكبر بكثير من حاضرها، لأنها كانت مدينة عالمية بمعنى الكلمة بالأبعاد الاقتصادية والثقافية معا.من الواضح حجم التحدي الذي تشكله البتراء في الأبعاد الاقتصادية والسياحية وفي الأبعاد الثقافية والحضارية، وهذا التحدي يرتبط بالدرجة الأولى بكفاءة صناعة القرار التنموي وكفاءة ترجمته على الأرض، وهذا تحد قابل أن يتحول الى منجم من الفرص التنموية الوطنية، وقابل ان يراكم المزيد من أشكال التنمية المشوهة والفشل.ومن الواضح أن الهوية الثقافية الجاذبة التي تمتاز بها البتراء لم توضع على المحك الحقيقي بعد ولم يكتشف الأردنيون مدينتهم وأهم رموز هويتهم الحضارية بعد، ولم يوظفوا هذه الهوية وعناصر التفرد التي تنطوي عليها في التنمية وفي تعزيز مكانة الدولة.
