يمثل قطاع الخدمات العامة ركيزة أساسية لأية تنمية بشرية يمكن أن تقوم بها أى دولة من دول العالم النامى ، فهذا القطاع يمس حياة الكثير ومصيرهم بشكل كبير ، يمس حياة الفقراء الذين يعتمدون على هذه الخدمات حتى فى شكلها البسيط -– ففى مجتمع قضيتة الأولى هى الفقر والثانية هى الأمية والثالثة هى المرض يصبح مجرد الحديث عن خصخصة الخدمات أمر غاية فى الخطورة وبخاصة إذا كانت الدولة تنظر الي الفقراء على أنهم مواطنون لهم حقوق قبل أن يكون عليهم واجبات ، وإذا كان البعض سيذهب إلى أن خصخصة الخدمات نتيجة للأرتفاع فى مستوى الدخل فهذا قد يكون حقيقياً لكن ليس لهؤلاء الفقراء لكن لفئة هى الأقل والأغنى فى مجتمعنا،فالفوارق الاجتماعية والاقتصادية تزداد بشكل كبير ، وعندما يغيب فى خلفية ذلك كله رؤية للتنمية المستدامة ، أو مشروع وطنى للتنمية يستند لمواردنا الذاتية ،أو مشروع حضاري لوطن ،وعندما تغيب الشفافية ، و تتراجع الحريات يصبح الحديث عن التنمية البشرية أمراً صعباً للغاية، فخصخصة الخدمات وخصوصا التعليم هو تراجع عن حق اصيل من حقوق الإنسان فالأنفاق العام للحكومة على التعليم وكما أسلفنا لا يتجاوز الــ 9 % من الميزانية الفعلية للدولة لعام 2003 -2004 بتراجع ملحوظ عن العام السابق له بنسبة 2% ، لم يستطع أن يستأصل الأمية و لم يستطع أن يصل بنسبة الالتحاق بالتعليم الأساسى إلى 100% كما أن التعليم الإعدادى والثانوى بنوعيه لم يستطعا أن يستوعبا الحاصلين على الشهادة الإبتدائية حيث وصلت نسبتهم مجتمعة حوالى 83.2 % اى ان النسبة الباقية قد خرجت من التعليم والتحقت بسوق العمل والأمية فى آن واحد ، فإن تعرض هذا الإنفاق للتقليل- وهو ماتم بالفعل- فإن قدرة الدولة على استئصال الأمية سيصبح في إطار الأمانى ، وسيؤثر ذلك على نسبة الا لتحاق بالتعليم الأساسي وبالتالى ستتراجع التنمية البشرية تراجع ملحوظ .
يضاف إلى ذلك أن خصخصة التعليم حتى وأن احتفظت الدولة بحصة كبيره منه فإن ما ستحتفظ به ستفرض عليه مصاريف إضافية تثقل كاهل الفقراء وذلك بهدف ضمان جودة التعليم وبحجة أن المدارس بوضعها الحالى لا تمت للجودة بصلة من قريب أو من بعيد ومخرجات العملية التعليمية دون المستوى الجيد، وكأن الفقراء محملون بجينات عدم الجودة.
أيضا سيؤثر تقليل الأنفاق على قطاع التعليم إلى خفض الميزانية المخصصة لبناء المدارس حيث "تبلغ الأجور والتعويضات 77% من ميزانية التعليم لعام 2005-2006 فى حين تصل نسبة شراء الأصول غير المالية 12% وتبلغ نسبة شراء السلع والخدمات 11% ()" مما سيؤدى إلى عدم توفير الخدمة للجميع فى المدن والقرى والكفور والنجوع و سيجعل الحصول على الخدمة التعليمية امراً شاقاً وسيزيد من تفاقم المشكلة عودة الصف السادس الإبتدائى إلى التعليم فى الوقت الذى تقل فية النفقات المخصصة للتعليم ، وسيفضى ذلك إلى تحويل مقولة التعليم للجميع مجرد شعار وما سينجز تحته هو ذر للرماد فى العيون .أثر آخر مرتبط باتباع آليات السوق فى قطاع التعليم وهو تخفيض حجم العمالة فى هذا القطاع والزج بهم إلى أتون البطالة مما يمثل تراجع عن جهود التنمية البشرية يضاف إلى قائمة التراجعات السابقة،وبالتالى سيتوقف قطاع التعليم عن امتصاص أية عمالة أخرى إلا بشروط سوق العمل حتى فى القطاع الحكومى ( عقود مؤقتة ) .
التعليم بهذا الحال سيصبح تعليم تأهيلى للحصول على شهادة محو الأمية أو تعليم فنى لتمويل المصانع والقطاعات الأخرى بالعمالة اللازمة والرخيصة ، والإشكاليةهنا هى أن التعليم بصورتة تلك سيحد من حرية الأختيا ر ،لأن التعليم بهذه الصورة سيكون خاض لمتطلبات السوق ومنفذ لتوجهاته ، وبالتالى حرية الاختيار ستكون لمن يملك،و التنمية البشرية التى لا تكون مصحوبة بتعظيم القدرة على الاختيار وفقاً للإمكانيات والملكات الإنسانية دون النظر إلى القدرة المادية والمكانة الاجتماعية هى تنمية بائسة ومعوقة .إشكالية أخرى ستطرحها آليات السوق وهى توقف التأثير الاجتماعى للتعليم من حيث كونه أحد أهم أسباب الترقى الاجتماعى ، فالتعليم بصورته تلك سيزيد الفجوة بين الفقراء والأغنياء داخل المجتمع الواحد ، ايضاً التعليم هو أحد الأسباب الرئيسية للحراك الاجتماعى والمغّزى لنمو الطبقة الوسطى داخل المجتمع المصرى وخصوصاً أواخر الخمسينيات والستينيات عندما كان التعليم المجانى بكافة مراحلة حق للجميع مما آهل الكثير من الفقراء للانتقال إلى الطبقة الوسطى إلى الحراك الاجتماعى .
والسؤال المطروح هل تستطيع مصر إنجاز أهداف التنمية الألفية التى صادقت عليها، هل تستطيع استئصال الفقروالجوع هل تستطيع تأمين وتعميم التعليم الإبتدائى للجميع بجودة جيدة؟، ،الأجابة على هذا السؤال لن تكون قصيرة بنعم أولا فى محاولة منا لإدعاء الحكمة أوالتعالى أو القول بقدرتنا على أستشراف المستقبل أو نتواضع أكثر ونقول إنها التوقعات لسياسات تهدف إلى الربح بالأساس بغض النظر عن أية قيم إنسانية أخرى بل سنحاول التلبس بمقولتنا الشعبية البسيطة والمعبره عن موروثنا الثقافى و الشعبى وهى (أسأل مجرب ولا تسأل طبيب ) ،فلنا فى تجارب الآخرين عبرة،فالدول التى أتبعت آليات السوق فى مجال الخدمات شهدت تراجع خطير فى معدلات التنمية البشرية " فقد تراجعت الاستفادة من الخدمات الطبية بنسبة 50% فى دول مثل غانا وكينيا ونيجيريا وقد أسهم ذلك فى تزايد وفيات الأطفال وارتفاع كبير فى نسبة الإصابة بمر ض السل .....كذلك زيادة وفيات الأمهات ، ففي نيجيريا ارتفعت وفيات الأمهات بنسبة56% () " فإذا نظرنا إلى مستويات الالتحاق بالمدارس الإبتدائية والثانوية سنجد أن النسبة متدنية جداً(ففى غانا نجد أن الانتظام الصافى فى المدرسة الأبتدائية 2000-2004 هى 65% للذكور و53% للإناث وفى المدرسة الثانوية نجد نسبة صافى الالتحاق هى 39% للذكور33% للإناث وفى كينيا على التوالى 66% للذكور و66% للإناث والتعليم الثانوى 25% للذكور و24% للإناث وأخيراً نيجيريا تاتى النسب كالأتى 74% و60% ثم 32% و26% () .مما سبق لن نقول جديداً لكن نشير إلى أن آليات السوق عندما تتوحش يصبح الحديث عن التنمية البشرية مجرد احلام وآمال يتمنى الجميع تحقيقها ، وتصبح المنح التى تهبها الدول الصناعية الكبرى أو البنك الدولى أو صندوق النقد الدولى هى من سبيل الاحسان والصدقة المشروطة بسلب مزيداً من القيم الإنسانية.
‹المحور الرابع : التعليم وآليات السوقفوقالمحور السادس : المواقف الحزبية من خصخصة ا لتعليم›
